في وحدة المعركة وسقوط أوهام المسافة
تاريخ النشر : 19:20 - 2026/01/07
ليس السؤال: ما علاقتنا بما يجري هناك؟ سؤال براءة معرفية، بل غالبًا سؤال إنكار تاريخي، أو محاولة للهروب من منطق الصراع كما هو، لا كما نرغب في أن يكون. فالمسافة الجغرافية لم تكن يومًا معيار النجاة، ولا اختلفت خرائط الاستهداف باختلاف القارات، بل باختلاف المواقع داخل معادلة الهيمنة. من يرفض الخضوع، يُدرج آليًا في لائحة العقاب، مهما كانت لغته، أو دينه، أو حجمه الديمغرافي.
فنزويلا ليست حالة شاذة في النظام الدولي، بل نموذجًا مكثفًا لما يحدث حين تُكسر القاعدة غير المكتوبة: “التنمية مقابل الطاعة، والاستقرار مقابل التبعية”. وحين نضع تونس داخل هذا السياق، لا نفعل ذلك من باب المجاز السياسي، بل من باب القراءة البنيوية لمسار يعيد تشكيل ذاته كلما ظنّ البعض أن الزمن تغيّر.
السيادة بوصفها جريمة حديثة
في العالم الذي تقوده الإمبريالية المتأخرة، لم تعد السيادة قيمة قانونية، بل صارت تهمة. كل دولة تصرّ على قرارها، أو تخرج عن هندسة الاصطفاف المفروضة، تُصنَّف فورًا كـ”إشكال”: إشكال ديمقراطي، أو حقوقي، أو اقتصادي، حسب الحاجة. هكذا يُستدعى الخطاب الأخلاقي لا لإنصاف الإنسان، بل لتجريده من شرطه الأول: الانتماء إلى دولة حرّة.
من هنا، لا يبدو التشابه بين تونس وفنزويلا تشابه ظروف، بل تشابه مواقع. كلاهما وُضع – أو وضع نفسه – في خانة الممانعة الناعمة: لا الحرب المفتوحة، ولا الاستسلام المقنّع. وهذا الموقع، تاريخيًا، هو الأخطر، لأنه يكشف زيف النظام دون أن يمنحه ذريعة التدخل العسكري المباشر.
حقوق الإنسان: من قيمة كونية إلى أداة ضبط
حين يُعاد تعريف حقوق الإنسان من منظور السيادة، كما حدث في الخطاب التونسي تجاه المبعوث الأميركي، فإننا نكون أمام انقلاب معرفي لا مجرد موقف دبلوماسي. فحقوق الإنسان، في أصلها الفلسفي، لا تنفصل عن حق الجماعة السياسية في تقرير مصيرها. أما حين تُفصل عن هذا الحق، فإنها تتحول إلى أداة تأديب، تُشهر في وجه الخصوم وتُطوى في وجه الحلفاء.
هذا الانفصام هو ما يجعل الخطاب الغربي عاجزًا عن تفسير صمته أمام الإبادة في غزة، أو عدوانه الصامت على فنزويلا، أو ابتزازه المتكرر لدول الجنوب. فالمسألة لم تعد أخلاقية، بل وظيفية: من يخدم المنظومة يُحصَّن، ومن يربكها يُدان.
فلسطين بوصفها معيار الحقيقة
ليست فلسطين قضية تضامن، بل معيار انكشاف. من يحدّد موقعه منها، يحدّد موقعه من العالم كله. ولهذا، فإن القوافل التي خرجت من تونس لكسر الحصار عن غزة ليست فعل إحسان، بل إعلان موقع. إعلان يقول إن السيادة لا تُجزّأ، وإن من يقبلها ناقصة اليوم، سيفقدها كاملة غدًا. وهنا يتضح الخيط الذي يربط فلسطين بلبنان بفنزويلا بتونس: ليس خيط الشعارات، بل خيط الاستهداف. فالمنظومة التي لا تتحمّل مقاومة في غزة، لا تتحمّل استقلال قرار في كاراكاس، ولا تجربة سيادية في تونس.
المنطقة الرمادية: أسطورة النجاة
أخطر الأوهام السياسية هو وهم الحياد. فالمنطقة الرمادية ليست خارج الصراع، بل داخله بلا حماية. من يراهن على الانتظار، يراهن على نسيان التاريخ، والتاريخ لا ينسى. كل التجارب أثبتت أن الإمبريالية لا تكافئ الصامتين، بل تؤجل افتراسهم.
التهديدات الصريحة، والصور الفجّة التي تصدر عن العدو الصهيوني أو مراكزه الفكرية، ليست انفعالات، بل رسائل. رسائل تقول بوضوح: المعركة واحدة، ومن لم يُستهدف بعد، فذلك لأن دوره لم يحن، لا لأنه خارج الحساب.
خاتمة: الاختيار الذي لا مهرب منه
ليست المسألة صدامًا مع قوة عظمى، ولا رومانسية ثورية متأخرة، بل اختيارًا وجوديًا بين نمطين من الدولة: دولة تملك قرارها وتدفع ثمنه، أو دولة تُدار من الخارج وتدفع الثمن ذاته، مضاعفًا، بلا كرامة ولا ضمانات.
وفي هذا المعنى، فإن تونس، كما فنزويلا، ليستا في قلب العاصفة صدفة، بل لأنهما اختارتا أن تكونا في قلب السؤال: من يملك الحق في أن يقول “لا”؟ ومن يدفع ثمنها؟
والتاريخ، كما كان دائمًا، لا يرحم المتردّدين، ولا ينصف إلا من فهم مبكرًا أن المعركة، مهما تنوّعت ساحاتها، واحدة.
ليس السؤال: ما علاقتنا بما يجري هناك؟ سؤال براءة معرفية، بل غالبًا سؤال إنكار تاريخي، أو محاولة للهروب من منطق الصراع كما هو، لا كما نرغب في أن يكون. فالمسافة الجغرافية لم تكن يومًا معيار النجاة، ولا اختلفت خرائط الاستهداف باختلاف القارات، بل باختلاف المواقع داخل معادلة الهيمنة. من يرفض الخضوع، يُدرج آليًا في لائحة العقاب، مهما كانت لغته، أو دينه، أو حجمه الديمغرافي.
فنزويلا ليست حالة شاذة في النظام الدولي، بل نموذجًا مكثفًا لما يحدث حين تُكسر القاعدة غير المكتوبة: “التنمية مقابل الطاعة، والاستقرار مقابل التبعية”. وحين نضع تونس داخل هذا السياق، لا نفعل ذلك من باب المجاز السياسي، بل من باب القراءة البنيوية لمسار يعيد تشكيل ذاته كلما ظنّ البعض أن الزمن تغيّر.
السيادة بوصفها جريمة حديثة
في العالم الذي تقوده الإمبريالية المتأخرة، لم تعد السيادة قيمة قانونية، بل صارت تهمة. كل دولة تصرّ على قرارها، أو تخرج عن هندسة الاصطفاف المفروضة، تُصنَّف فورًا كـ”إشكال”: إشكال ديمقراطي، أو حقوقي، أو اقتصادي، حسب الحاجة. هكذا يُستدعى الخطاب الأخلاقي لا لإنصاف الإنسان، بل لتجريده من شرطه الأول: الانتماء إلى دولة حرّة.
من هنا، لا يبدو التشابه بين تونس وفنزويلا تشابه ظروف، بل تشابه مواقع. كلاهما وُضع – أو وضع نفسه – في خانة الممانعة الناعمة: لا الحرب المفتوحة، ولا الاستسلام المقنّع. وهذا الموقع، تاريخيًا، هو الأخطر، لأنه يكشف زيف النظام دون أن يمنحه ذريعة التدخل العسكري المباشر.
حقوق الإنسان: من قيمة كونية إلى أداة ضبط
حين يُعاد تعريف حقوق الإنسان من منظور السيادة، كما حدث في الخطاب التونسي تجاه المبعوث الأميركي، فإننا نكون أمام انقلاب معرفي لا مجرد موقف دبلوماسي. فحقوق الإنسان، في أصلها الفلسفي، لا تنفصل عن حق الجماعة السياسية في تقرير مصيرها. أما حين تُفصل عن هذا الحق، فإنها تتحول إلى أداة تأديب، تُشهر في وجه الخصوم وتُطوى في وجه الحلفاء.
هذا الانفصام هو ما يجعل الخطاب الغربي عاجزًا عن تفسير صمته أمام الإبادة في غزة، أو عدوانه الصامت على فنزويلا، أو ابتزازه المتكرر لدول الجنوب. فالمسألة لم تعد أخلاقية، بل وظيفية: من يخدم المنظومة يُحصَّن، ومن يربكها يُدان.
فلسطين بوصفها معيار الحقيقة
ليست فلسطين قضية تضامن، بل معيار انكشاف. من يحدّد موقعه منها، يحدّد موقعه من العالم كله. ولهذا، فإن القوافل التي خرجت من تونس لكسر الحصار عن غزة ليست فعل إحسان، بل إعلان موقع. إعلان يقول إن السيادة لا تُجزّأ، وإن من يقبلها ناقصة اليوم، سيفقدها كاملة غدًا. وهنا يتضح الخيط الذي يربط فلسطين بلبنان بفنزويلا بتونس: ليس خيط الشعارات، بل خيط الاستهداف. فالمنظومة التي لا تتحمّل مقاومة في غزة، لا تتحمّل استقلال قرار في كاراكاس، ولا تجربة سيادية في تونس.
المنطقة الرمادية: أسطورة النجاة
أخطر الأوهام السياسية هو وهم الحياد. فالمنطقة الرمادية ليست خارج الصراع، بل داخله بلا حماية. من يراهن على الانتظار، يراهن على نسيان التاريخ، والتاريخ لا ينسى. كل التجارب أثبتت أن الإمبريالية لا تكافئ الصامتين، بل تؤجل افتراسهم.
التهديدات الصريحة، والصور الفجّة التي تصدر عن العدو الصهيوني أو مراكزه الفكرية، ليست انفعالات، بل رسائل. رسائل تقول بوضوح: المعركة واحدة، ومن لم يُستهدف بعد، فذلك لأن دوره لم يحن، لا لأنه خارج الحساب.
خاتمة: الاختيار الذي لا مهرب منه
ليست المسألة صدامًا مع قوة عظمى، ولا رومانسية ثورية متأخرة، بل اختيارًا وجوديًا بين نمطين من الدولة: دولة تملك قرارها وتدفع ثمنه، أو دولة تُدار من الخارج وتدفع الثمن ذاته، مضاعفًا، بلا كرامة ولا ضمانات.
وفي هذا المعنى، فإن تونس، كما فنزويلا، ليستا في قلب العاصفة صدفة، بل لأنهما اختارتا أن تكونا في قلب السؤال: من يملك الحق في أن يقول “لا”؟ ومن يدفع ثمنها؟
والتاريخ، كما كان دائمًا، لا يرحم المتردّدين، ولا ينصف إلا من فهم مبكرًا أن المعركة، مهما تنوّعت ساحاتها، واحدة.