مع الشروق .. أطنان من السموم في رمضان...إنها الغنيمة قبل الضمير

مع الشروق .. أطنان من السموم في رمضان...إنها الغنيمة قبل الضمير

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/03

أرقام صادمة أعلنت عنها الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية في شهر من المفترض أنه شهر الاستقامة والانضباط والامتثال لضوابط الصوم في علاقة الإنسان بربّه، وعلاقته بأخيه المسلم، وعلاقته بضميره أيضًا.
إذ حجزت الهيئة 108 أطنان من المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك خلال الأيام العشرة الأولى من رمضان، وأغلقت 20 محلًّا، وقامت بالتنبيه كتابيًّا على 315 محلًّا متجاوزًا لتدارك الإخلالات، دون اعتبار محاضر البحث التي فاقت المائة.
ليست الأرقام وحدها هي الصادمة في غضون أيام قليلة من شهر رمضان، بل أيضًا طبيعة الإخلالات المسجّلة في سجلات المراقبة الصحية، والمتمثّلة في وجود حشرات وآثار قوارض، وانتهاء الصلوحية، وتعفّن المنتوج وتغيّر خصائصه، إلى جانب الخزن غير الصحي، وعدم احترام سلسلة التبريد، وكذلك شروط التحضير والذبح.
وشملت هذه الأغذية الفاسدة فواكه جافة، وخضرًا، وغلالًا، وأسماكًا ومنتجات بحرية، ومخلّلات، وحليبًا ومشتقاته، أي المواد الأكثر استهلاكًا في شهر الصيام، والأكثر قابلية للتخزين والتجميد في انتظار ترويجها خلال الشهر الكريم.
وبمثل هذه السموم التي تُروَّج بلا ضابط أخلاقي ولا ديني، ينقضّ أغلب التجّار والباعة على المواطن مثل غنيمة حرب، لسلب أمواله والإضرار بصحته مقابل مواد غذائية غير آمنة، تحرّكهم شراهة غريبة في الربح.
ولمّا طبّع التونسيون مع غلاء الأسعار والتلاعب بها على امتداد السنة، لم يعد السعر إشكالًا — رغم أنه موجع للميزانية العائلية المُرهَقة بالالتزامات — بل باتت الحاجة أمّ الاستهلاك اليوم؛ لذلك يشكو المواطن ويشتري، ويهدّد بالمقاطعة، لتجده من جديد يُدخل يده إلى جيبه للشراء، ويصطفّ مع المصطفّين في غياب خيارات أو بدائل أخرى.
طبعًا، هذا الاضطرار إلى قبول ما لا يُقبل، رغم الشطط وقِصر اليد، جعل اللحم يُوزن بميزان الذهب، والسمك وغلال البحر لمن استطاع إليها سبيلًا، وأصبحت الغلال صعبة المنال على الأغلبية الساحقة، باستثناء القوارص أو ما تغيّر لونه وضَمُر حجمه وبات سلعة بائرة.
غير أنّ هذا الاستكراش المتوحّش للتجّار أباح سلامة الأشخاص بسموم غذائية، إن لم تظهر آثارها الآنية أو في غضون أيام، فإنها طريق إلى الأمراض الخطيرة، وليس أخطر على صحة الإنسان من الغذاء الفاسد المتحلّل في الدم والمتغلغل في الخلايا.
وقد بان بالكاشف اليوم، بمثل هذه المحجوزات الغذائية الفاسدة في شهر التراحم، أنّ التكالب على الاستثراء السريع، وعقلية الغنيمة وتحيّن الفرص، وراء ما يشهده مجتمعنا من انهيار قيميّ يخترق الخطوط الحمراء، ويدوس على ترسانة قوانين تحمي المستهلك وتتصدى للمحتكرين، ويضرب عرض الحائط بالضمير والأخلاق والضابط الديني... إنّه الإرهاب الغذائي، والتصدّي له بات واجبًا وطنيًّا أكيدًا.
وحيدة المي
 

تعليقات الفيسبوك