تأهيل المقبلين على الزواج... استثمار وقائي نحو أسرة عربية مستقرة

تأهيل المقبلين على الزواج... استثمار وقائي نحو أسرة عربية مستقرة

تاريخ النشر : 15:56 - 2026/02/25

لم تعد التحولات التي تمسّ الأسرة في مجتمعاتنا العربية مجرّد ظواهر عابرة، بل مؤشرات مقلقة تستدعي وقفة جادّة. فمع ارتفاع معدلات العنف الأسري، وتزايد مؤشر الطلاق في عدد من الدول العربية، وعزوف قطاع ملحوظ من الشباب عن
الإقدام على الزواج خوفًا من الفشل أو الأعباء الاقتصادية، إلى جانب ما يُسجَّل من اضطرابات سلوكية لدى بعض الأطفال في سياقات أسرية متوتّرة، يُصبح من الضروري والمستعجل طرح مسألة التأهيل للحياة الزوجية بوصفه قضية وقائية لا ترفًا تنظيريًا؛ وتحويل ملف الاستقرار الأسري إلى أولوية اجتماعية تستدعي سياسات وقائية الزامية واضحة. 
فالزواج اليوم لم يعُد يستند إلى شبكة الدّعم العائلي التقليدية كما كان في الماضي، بل يواجه تحدّيات جديدة ومعقّدة، تشمل تغيُّر الأدوار داخل الأسرة، وارتفاع ضغوط العمل والمعيشة، وتبدُّل توقعات الشريكين، إلى جانب التأثيرات السريعة للتحولات الثقافية والتكنولوجية التي أعادت تشكيل القيم والنظرة إلى الحياة وإلى الآخر.
ورغم اختلاف السياقات القُطرية، تواجه الأسرة العربية اليوم تحدّيات متقاربة. فالإحصاءات تشير إلى أن نسب الطلاق خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج تُمثل جزءًا مهمًا من إجمالي حالات الطلاق، مع احتلال الطلاق العاطفي نسبة كبيرة نتيجة غياب الثقافة الزوجية المتوافقة وتضخُّم التوقعات لدى الأزواج. إذ يؤكد عالم الاجتماع العراقي الراحل على الوردي أن «التناقض بين القيم المثالية والواقع الاجتماعي يولّد صراعًا دائمًا في العلاقات الإنسانية»، وهو ما ينطبق على الزواج حين يُبنى على تصورات مثالية لا تصمُد أمام متطلّبات الحياة اليومية، ما يعكس الحاجة الماسّة إلى برامج تأهيلية منهجية واستباقية.
في هذا السياق، يبرُز التأهيل قبل الزواج كخيار عملي لإعداد الشباب لحياة مشتركة أكثر انسجاما ووعيًا بالمسؤوليات المشتركة، وقدرة على إدارة الخلافات بما يُسهم في بناء علاقات أُسرية صحية ومستقرة. وقد بدأت بعض المؤسّسات الرسمية والمجتمعية في عدد من الدول العربية التفكير في إطلاق برامج تأهيلية منهجية للمقبلين على الزواج، تعتمد على الإعداد النفسي والاجتماعي والمعرفي، إدراكًا منها بأن الوقاية أفضل من العلاج
من ماليزيا والخليج ... إلى تونس: التأهيل قبل الزواج استثمار في استقرار الأسرة
ويجدر التذكير بأن برامج التأهيل الرسمي قبل الزواج ليست فكرة مستحدثة في المنطقة العربية؛ فقد انطلقت التجربة المؤسسية أولًا في ماليزيا منذ تسعينيات القرن الماضي ضمن إطار ثقافي-اجتماعي منظم، قبل أن تعتمدها لاحقًا عدّة دول في الخليج العربي مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، حيث أُدرجت دورات الإرشاد الأسري أو التأهيل الزواجي ضمن برامج رسمية أو شبه إلزامية تهدف إلى خفض نسب الطلاق المبكر وتعزيز الاستقرار الأسري.
وفي هذا السياق المقارن، تستعدّ وزارة الأسرة والمرأة والطفولة والمسنين بالجمهورية التونسية لإطلاق برنامج وطني للتأهيل قبل الزواج خلال المرحلة القادمة، وهي مبادرة تُسجَّل بإيجابية وتُثَمَّن لما تعكسه من وعي استباقي بأهمية المقاربة الوقائية في تعزيز استقرار الأسرة وصون تماسك المجتمع.
كما يُثمَّن في هذا الإطار انفتاح الوزارة على البحث العلمي واستنارتها بآراء المختصين من مختلف الحقول المعرفية، واعتمادها مقاربة تشاركية متعدّدة التّخصصات في إعداد هذا البرنامج، بما يعكس توجّهًا مؤسسيًا يقوم على التأصيل العلمي، والتخطيط الرشيد، وربط السياسات العمومية بالخبرة الأكاديمية والميدانية، في انتقالٍ نوعي من منطق معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى منطق بناء الاستقرار قبل اهتزازه. إن هذه الخطوة، بما تحمله من بُعد علمي وتربوي، تُمثل استثمارًا في رأس المال الأسري الوطني، ورسالة واضحة مفادُها أن حماية الأسرة تبدأ من حُسن الإعداد للحياة المشتركة، ومن لحظة الاختيار… لا بعد الانهيار.
التأهيل قبل الزواج: وقاية لا وصاية من أجل حياة زوجية وأسرية مستقرة
إن الحديث عن التأهيل للزواج لا يعني التشكيك في حرية وقدرة الشباب على الاختيار، بل هو استثمار في الوعي ورأس المال الاجتماعي، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الزواج ليس حدثًا احتفاليًا، بل مشروع حياة يحتاج إلى:
مهارات في التواصل، وإدارة الخلاف، وضبط التوقعات، وفهم الذات والآخر، وحسن التصرف المالي...
التأهيل للزواج هو برنامج توعوي وتكويني يهدف إلى إعداد المقبلين على الزواج معرفيًا ونفسيًا ومهاريًا لتحمل مسؤوليات الحياة المشتركة. 
فالتأهيل الأسري حين يكون منظّما وشرطا قانونيا لإتمام عقد الزواج كما هو معمول به في بعض الدول لا يمُسّ بالحرية الفردية والاختيار، بل يهدف إلى تنمية مهارات عملية في التواصل وإدارة الخلاف وتنظيم المسؤوليات، وهي مهارات لا تُكتسب بالضرورة في المدرسة أو داخل الأسرة.  وتُظهر المقارنات أن الاقتصار على الصيغ الطوعية وحدها لا يكفي دائمًا للحدّ من النزاعات الأسرية، ما يفتح المجال للنقاش حول دور المقاربات الوقائية الأكثر تنظيمًا والتزاما في تعزيز الاستقرار الأسري. 
لماذا كل هذا الاهتمام بمقاربة التأهيل للحياة الزوجية في تونس والوطن العربي؟ 
تشير مؤشرات عدّة إلى أن الأسرة العربية تواجه تحديات متزايدة: ارتفاع نسب العنف الأسري، تزايد معدلات الطلاق، وتأجيل أو عزوف الشباب عن الزواج بسبب الخوف من الفشل أو الأعباء الاقتصادية. ففي المغرب،على سبيل المثال، ارتفعت نسبة الشباب غير المتزوجين من 42٪ سنة 2011 إلى نحو 70٪ سنة 2019 (ONDH & PNUD, 2021)، وفي تونس، يُلاحظ انخفاض عقود الزواج وتأخر سِنّه، بينما تكشف بيانات دول الشرق والخليج عن تأجيل الزواج وارتفاع متوسط السن (Arabia Weddings, 2026).
كما تُظهر الإحصاءات الرسمية ارتفاع مؤشرات الطلاق: تتراوح بين 21٪ في تونس (2022) و48٪ في الكويت خلال السنوات الأولى من الزواج (Al-Amsar ERF, 2024) ، بينما تشير الدراسات إلى أن نحو 45٪ من الأزواج في منطقة الشرق الأوسط يعانون من الطلاق العاطفي، أي تراجع رضا العلاقة بسبب انخفاض التفاهم والتقارب العاطفي (Middle East Family Survey, 2021).
ويبرز العنف بين الزوجين كأحد المؤشرات المثيرة للانتباه؛ إذ تُظهر المعطيات في تونس أن النسبة الأكبر (70٪) من العنف المسلّط على النساء يحدث داخل الإطار الأسري، بما يكشف أهمية بناء ثقافة تواصل صحي منذ بداية الحياة الزوجية.
الدراسات العالمية تفيد أن برامج التأهيل قبل الزواج تُحسّن مهارات التواصل، تزيد الوعي العاطفي، وتساعد على وضع توقعات واقعية بين الشريكين، مما يعزز رضا الزوجين واستقرار الأسرة      (Lomotey, 2025; Bahkali NM & al., 2022)  . ويكشف جون غوتمن أن 69٪ من الخلافات الزوجية تكون دائمة إذا لم تُدار بشكل سليم، وأن الأزواج الناجحين هم من يمتلكون مهارات التعامل مع الخلاف دون تحويله لصراع مدمر (Gottman, 1999).
الاستنتاج واضح: التأهيل قبل الزواج ليس رفاهية فكرية، بل استثمار وقائي يقلّل كلفة التفكك الأسري، ويزود المقبلين على الزواج بالوعي والمهارات اللازمة لبناء علاقات صحية ومستقرة، وبالتالي تربية أفضل للأطفال ومجتمعات أكثر تماسكا.                                                                                                     
برنامج التأهيل الزوجي: اكتساب مهارات لحياة مشتركة مستقرة
لا يقتصر برنامج التأهيل للزواج على محاضرات نظرية أو نصائح عامة، بل يقوم على تدريب عملي يساعد المقبلين على الزواج على فهم طبيعة الحياة المشتركة بكل تفاصيلها. 
فهو يتناول:  . فهم الاختلافات في الطباع والشخصيات، 
. تعلّم مهارات التواصل الجيّد والإصغاء، 
. كيفية بناء ثقافة زوجية تقوم على التقارب في الرؤى والتنازل والتضحية عند اللزوم 
. كيفية إدارة الخلاف بطريقة هادئة واتخاذ القرارات بشكل مشترك بدل الانفراد بالرأي.
. كيفية التخطيط المالي للأسرة، وتنظيم المصاريف، 
. التعاون في تحمل الأعباء اليومية، خاصة في حال كانت المرأة عاملة، بما يضمن توزيعًا       
عادلًا للمسؤوليات داخل البيت ويمنع تحوّل الضغوط المادية أو المنزلية إلى مصدر توتر دائم. 
ويشمل أيضًا: التوعية بالصحة النفسية، واحترام الخصوصية، والاستعداد لدور الأبوة والأمومة مستقبلًا. 
• في الختام: نحو سياسات عمومية داعمة لاستقرار الأسرة العربية
ثبُت علميًا وتجريبيًا أنه من أجل حماية الأسرة العربية وتعزيز استقرارها، لا بُد من:
• إطلاق برامج وطنية للتأهيل الإلزامي قبل الزواج كخطوة وقائية لتعزيز الوعي والمهارات لدى المقبلين على الحياة المشتركة.
• تعزيز الشراكة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والجامعات والمختصين في العلاج الأسري، وعلم الاجتماع، وعلم النفس.
• إدماج ثقافة الحياة الأسرية في المناهج التعليمية تحت عنوان: «التربية الأسرية»
ولندرك أن الزواج مشروع بناء يومي يحتاج إلى وعي، ومهارات، وممارسة مستمرة، 
وأن التأهيل ليس رفاهية فكرية، بل استثمار وقائي يقلّل بشكل كبير من كلفة التفكك الأسري.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

ليس مجرّد عمل درامي عابر، بل معركة وعي تُخاض على شاشة التلفزيون… هكذا يأتي مسلسل “رجال الظل..
07:00 - 2026/02/23
تواترت انطباعات متفائلة من إيرانيين وأمريكيين عن نتائج جولة المحادثات الأخيرة في «جنيف» ، بينها ك
07:00 - 2026/02/23
يُحكى أنّ رجلا وجد  عروسه ايامًا بعد زواجه بها تبكي بحرقةٍ إلى أن احمرّت عيناها، و تورّدت خدّاها،
07:00 - 2026/02/23
عاد الحديث بقوة هذه الايام حول القطاع التربوي في تونس والضرورات الحتمية لإعادة الهيبة والمكانة وا
07:00 - 2026/02/23
لم يعد تعطّل إنتاج الفسفاط في المتلوي والمظيلة مجرّد حدث اجتماعي معزول، بل أصبح مؤشّرًا خطيرًا عل
07:00 - 2026/02/22
الأستاذ الشيخ : 
07:00 - 2026/02/19
ما يُتداول هذه الأيام حول ما يُسمّى بـ“الثورة التشريعية” يكشف في جوهره عن خلطٍ عميق بين النصّ وال
07:00 - 2026/02/18