مع الشروق :لماذا فشل ترامب في إيران؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/26
منذ عودته إلى المشهد السياسي، لم يفوّت دونالد ترامب فرصة إلا وقدم نفسه باعتباره «رجل الإطفاء» القادر على إنهاء النزاعات وإخماد الحروب، فقد تباهى مراراً بأنه أوقف ثماني حروب، وأنه أكثر الرؤساء الأمريكيين قدرة على فرض السلام بالقوة والهيبة والصفقات.
غير أن المواجهة مع إيران كشفت جانباً مختلفاً تماماً من شخصيته السياسية، وأظهرت حدود الخطاب الشعبوي عندما يصطدم بواقع الجغرافيا السياسية وتعقيدات الشرق الأوسط، فالحرب التي كان يعتقد أنها ستكون استعراضاً سريعاً للقوة، تحولت إلى أزمة مفتوحة تهدد الاقتصاد العالمي والأمن الدولي، بينما يبدو ترامب عاجزاً عن إنهائها أو حتى إيجاد مخرج مشرّف منها.
الكاتب الأمريكي دافيد فروم و في مقال له بمجلة «ذي اتلانتيك»، يرى أن فشل ترامب في مواجهة إيران لم يكن نتيجة قوة الخصم فقط، بل أيضاً بسبب عيوب عميقة في شخصيته وأسلوبه السياسي.
وأول هذه العيوب هو الغرور المفرط، إذ اعتقد ترامب أنه أذكى من الرؤساء السابقين الذين تجنبوا الانزلاق إلى حرب شاملة مع طهران، إذ كان مقتنعاً بأن لغة التهديد والعقوبات والضربات المحدودة ستجبر إيران على التراجع السريع، لكنه تجاهل أن إيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بسهولة، بل قوة إقليمية تمتلك شبكة نفوذ عسكرية وسياسية واسعة تمتد عبر المنطقة.
لقد دخل ترامب هذه المواجهة بعقلية رجل الأعمال الذي يظن أن كل أزمة يمكن حلها بالضغط والمساومة، لكنه اصطدم بواقع مختلف تماماً، فالحروب لا تُدار بالتغريدات أو بالشعارات الانتخابية، بل تحتاج إلى رؤية استراتيجية دقيقة وحسابات طويلة المدى.
وهنا ظهر الخلل الثاني الذي أشار إليه فروم، وهو غياب التخطيط الحقيقي، إذ لم يكن لدى إدارة ترامب تصور واضح لما بعد التصعيد، ولم تحدد أهدافاً سياسية وعسكرية دقيقة يمكن تحقيقها، وبدلاً من بناء تحالفات مستقرة وإدارة الأزمة عبر المؤسسات، فضّل ترامب إدارة الملف بطريقة فردية تقوم على الارتجال وردود الفعل السريعة.
هذا الأسلوب أدى إلى ارتباك واضح داخل الإدارة الأمريكية نفسها، فقد همّش ترامب العديد من الخبراء والمؤسسات التقليدية، وركز السلطة في دائرة ضيقة تخضع لمزاجه الشخصي.
وكان يعتقد أن التعقيدات البيروقراطية تعيق «حسمه السريع»، لكنه اكتشف لاحقاً أن تجاهل المؤسسات يخلق فوضى في اتخاذ القرار ويضعف القدرة على إدارة الأزمات الكبرى، وهكذا تحولت الحرب إلى سلسلة من الخطوات المتناقضة بين التصعيد والدعوات للتفاوض، ما جعل صورة الولايات المتحدة تبدو مرتبكة وغير قادرة على فرض معادلتها.
لكن أكثر ما كشف هشاشة ترامب، بحسب فروم، هو سلوكه تحت الضغط، فعلى الرغم من خطابه الاستعراضي الحاد، إلا أنه لم يُظهر قدرة حقيقية على تحمل تبعات المواجهة عندما بدأت التكاليف ترتفع، فكلما اقتربت الأزمة من تهديد المصالح الاقتصادية الأمريكية والعالمية، بدا ترامب أكثر ارتباكاً وأقل قدرة على التحكم بالمشهد.
ومع تصاعد التوتّر في الخليج وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق الدولية، أصبحت الحرب عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد العالمي، لا سيما في ظل هشاشة الاقتصاد الدولي بعد سنوات من الأزمات المتتالية.
المفارقة الكبرى أن الرجل الذي وعد الأمريكيين والعالم بأنه سيوقف الحروب، هو نفسه من أشعل واحدة من أخطر الأزمات في السنوات الأخيرة، والأسوأ من ذلك أنه يبدو عاجزاً عن إنهائها.
فبدلاً من أن يكون «رجل الإطفاء»، تحول ترامب إلى سياسي أشعل النار ثم وقف مرتبكاً أمام اتساع ألسنتها، وقد أثبتت المواجهة مع إيران أن الخطاب الشعبوي قد ينجح في الحملات الانتخابية، لكنه لا يكفي لإدارة صراعات معقدة تتطلب الحكمة والصبر والتخطيط العميق، وفي النهاية يدفع العالم كله ثمن هذه المغامرة السياسية غير المحسوبة.
بدرالدّين السّيّاري
منذ عودته إلى المشهد السياسي، لم يفوّت دونالد ترامب فرصة إلا وقدم نفسه باعتباره «رجل الإطفاء» القادر على إنهاء النزاعات وإخماد الحروب، فقد تباهى مراراً بأنه أوقف ثماني حروب، وأنه أكثر الرؤساء الأمريكيين قدرة على فرض السلام بالقوة والهيبة والصفقات.
غير أن المواجهة مع إيران كشفت جانباً مختلفاً تماماً من شخصيته السياسية، وأظهرت حدود الخطاب الشعبوي عندما يصطدم بواقع الجغرافيا السياسية وتعقيدات الشرق الأوسط، فالحرب التي كان يعتقد أنها ستكون استعراضاً سريعاً للقوة، تحولت إلى أزمة مفتوحة تهدد الاقتصاد العالمي والأمن الدولي، بينما يبدو ترامب عاجزاً عن إنهائها أو حتى إيجاد مخرج مشرّف منها.
الكاتب الأمريكي دافيد فروم و في مقال له بمجلة «ذي اتلانتيك»، يرى أن فشل ترامب في مواجهة إيران لم يكن نتيجة قوة الخصم فقط، بل أيضاً بسبب عيوب عميقة في شخصيته وأسلوبه السياسي.
وأول هذه العيوب هو الغرور المفرط، إذ اعتقد ترامب أنه أذكى من الرؤساء السابقين الذين تجنبوا الانزلاق إلى حرب شاملة مع طهران، إذ كان مقتنعاً بأن لغة التهديد والعقوبات والضربات المحدودة ستجبر إيران على التراجع السريع، لكنه تجاهل أن إيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بسهولة، بل قوة إقليمية تمتلك شبكة نفوذ عسكرية وسياسية واسعة تمتد عبر المنطقة.
لقد دخل ترامب هذه المواجهة بعقلية رجل الأعمال الذي يظن أن كل أزمة يمكن حلها بالضغط والمساومة، لكنه اصطدم بواقع مختلف تماماً، فالحروب لا تُدار بالتغريدات أو بالشعارات الانتخابية، بل تحتاج إلى رؤية استراتيجية دقيقة وحسابات طويلة المدى.
وهنا ظهر الخلل الثاني الذي أشار إليه فروم، وهو غياب التخطيط الحقيقي، إذ لم يكن لدى إدارة ترامب تصور واضح لما بعد التصعيد، ولم تحدد أهدافاً سياسية وعسكرية دقيقة يمكن تحقيقها، وبدلاً من بناء تحالفات مستقرة وإدارة الأزمة عبر المؤسسات، فضّل ترامب إدارة الملف بطريقة فردية تقوم على الارتجال وردود الفعل السريعة.
هذا الأسلوب أدى إلى ارتباك واضح داخل الإدارة الأمريكية نفسها، فقد همّش ترامب العديد من الخبراء والمؤسسات التقليدية، وركز السلطة في دائرة ضيقة تخضع لمزاجه الشخصي.
وكان يعتقد أن التعقيدات البيروقراطية تعيق «حسمه السريع»، لكنه اكتشف لاحقاً أن تجاهل المؤسسات يخلق فوضى في اتخاذ القرار ويضعف القدرة على إدارة الأزمات الكبرى، وهكذا تحولت الحرب إلى سلسلة من الخطوات المتناقضة بين التصعيد والدعوات للتفاوض، ما جعل صورة الولايات المتحدة تبدو مرتبكة وغير قادرة على فرض معادلتها.
لكن أكثر ما كشف هشاشة ترامب، بحسب فروم، هو سلوكه تحت الضغط، فعلى الرغم من خطابه الاستعراضي الحاد، إلا أنه لم يُظهر قدرة حقيقية على تحمل تبعات المواجهة عندما بدأت التكاليف ترتفع، فكلما اقتربت الأزمة من تهديد المصالح الاقتصادية الأمريكية والعالمية، بدا ترامب أكثر ارتباكاً وأقل قدرة على التحكم بالمشهد.
ومع تصاعد التوتّر في الخليج وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق الدولية، أصبحت الحرب عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد العالمي، لا سيما في ظل هشاشة الاقتصاد الدولي بعد سنوات من الأزمات المتتالية.
المفارقة الكبرى أن الرجل الذي وعد الأمريكيين والعالم بأنه سيوقف الحروب، هو نفسه من أشعل واحدة من أخطر الأزمات في السنوات الأخيرة، والأسوأ من ذلك أنه يبدو عاجزاً عن إنهائها.
فبدلاً من أن يكون «رجل الإطفاء»، تحول ترامب إلى سياسي أشعل النار ثم وقف مرتبكاً أمام اتساع ألسنتها، وقد أثبتت المواجهة مع إيران أن الخطاب الشعبوي قد ينجح في الحملات الانتخابية، لكنه لا يكفي لإدارة صراعات معقدة تتطلب الحكمة والصبر والتخطيط العميق، وفي النهاية يدفع العالم كله ثمن هذه المغامرة السياسية غير المحسوبة.
بدرالدّين السّيّاري