واشنطن وإيران.. لماذا تفشل نبوءة السقوط في كل مرة؟
تاريخ النشر : 14:16 - 2026/01/11
تحليل نقدي لسوء قراءة الغرب للاحتجاجات والسلطة في دولة صاغتها المواجهة وليس الرفاه.
كلما اندلعت موجة احتجاج في إيران، تتكرر النغمة نفسها في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي: النظام يترنح، شرعيته تتآكل، والعدّ التنازلي بدأ. تتغير العناوين، لكن الفكرة واحدة. غير أن ما يغيب عن هذا الخطاب هو حقيقة بسيطة ومزعجة: هذه النبوءة فشلت في كل مرة.
ليس الفشل هنا عارضًا، ولا يمكن تفسيره بنقص معلومات. المشكلة أعمق، وتكمن في نمط تفكير غربي مأزوم حول الدولة، الاحتجاج، والشرعية حين تكون خارج النموذج الليبرالي.
الدولة كما يتخيلها الغرب… لا كما هي في إيران
العقل السياسي الغربي يرى الدولة ككيان هش يقوم على الرضا الاقتصادي والتمثيل السياسي، ويعتقد أن أي اهتزاز فيهما يؤدي إلى انهيار النظام. هذا النموذج قد يفسر أزمات بعض الديمقراطيات، لكنه يعجز عن فهم دولة تشكلت في سياق الثورة والحرب والحصار.
إيران لم تُبنَ لتكون دولة رفاه، بل دولة صمود. شرعيتها تقوم على سردية المواجهة والاستقلال وإعادة تعريف السيادة خارج الهيمنة الغربية. لذلك فإن مقاييس “الاستقرار” الغربية تفشل تلقائيًا عند إسقاطها على إيران.
الاحتجاج ليس بالضرورة ثورة
الخطأ الأكثر شيوعًا في القراءة الغربية هو اختزال الشارع الإيراني في كتلة واحدة معارضة بطبيعتها، تنتظر الشرارة الكبرى. الواقع أكثر تعقيدًا: جزء كبير من الاحتجاجات خرج من داخل قاعدة النظام نفسه، وليس من خارجه.
نحن أمام احتجاج على الأداء لا على المشروع، على السياسات لا على الدولة.
الاحتجاج الذي لا ينتج قيادة بديلة، ولا خطابًا سياسيًا جامعًا، ولا تصورًا مختلفًا للدولة، لا يتحول إلى ثورة مهما بلغ حجمه. هو أداة ضغط داخلية، لا قوة إسقاط، وهذا ما يجعل الرهان الأمريكي الدائم على الشارع رهانًا متكرر الفشل.
منظومة سلطة لا واجهة سياسية
إيران ليست دولة يمكن إسقاطها بتغيير الحكومة أو ضغط اقتصادي. إنها منظومة سلطة مركبة: أمنية، دينية، اقتصادية وعقائدية، تعمل بمنطق توزيع الأدوار لا التنافس الصفري.
لهذا تستطيع طهران:
تغيير الحكومات دون تغيير الاتجاه الاستراتيجي
التضحية بالوجوه دون المساس بالبنية
امتصاص الصدمات بدل الانهيار تحتها
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة قوة عظمى تملك فائض أدوات لكنها تعاني عجزًا في النتائج: تضغط اقتصاديًا بلا حسم، وتلوّح عسكريًا دون قرار، وتراهن على الانقسام الداخلي فلا تحصد سوى تعزيز خطاب السيادة لدى خصمها.
المفارقة أن التهديد الخارجي، الذي يفترض أن يشعل الداخل، تحول في الحالة الإيرانية إلى عامل تماسك نسبي.
الاقتصاد: ألم لا يساوي سقوطًا
الأزمة الاقتصادية في إيران حقيقية، والضغوط المعيشية ثقيلة. لكن اختزال السياسة في الاقتصاد هو قراءة سطحية للتاريخ. فالدول لا تسقط بالجوع وحده، بل عندما يفقد النظام قدرته على إنتاج المعنى.
ما دام الصراع مؤطرًا بوصفه صراع سيادة واستقلال، فإن الألم الاقتصادي يُعاد تفسيره لا توجيهه ضد الدولة. وهنا يقع الخطأ الأمريكي المزدوج: يفترض أن العقوبات تضعف الشرعية، ويتجاهل أنها تعيد إنتاجها عبر خطاب الحصار والمواجهة.
من مهسا أميني إلى اليوم: التكيّف لا التفكك
من يراقب المشهد الإيراني يلاحظ مفارقة لافتة: من احتجوا بالأمس أصبحوا جزءًا من السلطة اليوم، ومن يحتجون اليوم كانوا خارجها بالأمس. هذا ليس دليل فوضى، بل دليل تداول داخل النخبة، يمنح النظام قدرة إضافية على التكيف.
السلطة في إيران لا تُختزل في حكومة أو شخص، بل تقوم على شبكة تمتص الغضب عبر إعادة توزيع المسؤولية، لا عبر القمع وحده. لذلك يبدو كل حديث عن “سقوط وشيك” أقرب إلى أمنية سياسية منه إلى تحليل واقعي.
مأزق التفكير الأمريكي
الولايات المتحدة تفكر بمنطق الضربة القاضية، بينما إيران تدير صراعًا طويل النفس. الأولى تبحث عن لحظة كسر، والثانية تراكم نقاط صمود. الأولى تكرر الأدوات نفسها، والثانية تبني على تجربة أثبتت فعاليتها.
النتيجة واضحة: واشنطن تملك القوة، لكنها لا تملك التحول. طهران لا تملك الرفاه، لكنها تملك الزمن.
خلاصة
إيران ليست على حافة السقوط، بل في طور إعادة تموضع دائم. والاحتجاجات ليست نذير انهيار، بل جزء من آلية إدارة التوتر داخل الدولة.
أما الخطأ الأمريكي الأكبر، فهو الإصرار على قراءة إيران كما لو كانت نسخة فاشلة من دولة ليبرالية، لا كدولة تشكلت في قلب الصراع وتعيش به.
الرهان على سقوط إيران من الداخل لم يفشل صدفة، بل لأنه قائم على سوء فهم عميق لمعنى الدولة، الشرعية، والاحتجاج.
ومن لا يفهم خصمه… لا يهزمه.
تحليل نقدي لسوء قراءة الغرب للاحتجاجات والسلطة في دولة صاغتها المواجهة وليس الرفاه.
كلما اندلعت موجة احتجاج في إيران، تتكرر النغمة نفسها في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي: النظام يترنح، شرعيته تتآكل، والعدّ التنازلي بدأ. تتغير العناوين، لكن الفكرة واحدة. غير أن ما يغيب عن هذا الخطاب هو حقيقة بسيطة ومزعجة: هذه النبوءة فشلت في كل مرة.
ليس الفشل هنا عارضًا، ولا يمكن تفسيره بنقص معلومات. المشكلة أعمق، وتكمن في نمط تفكير غربي مأزوم حول الدولة، الاحتجاج، والشرعية حين تكون خارج النموذج الليبرالي.
الدولة كما يتخيلها الغرب… لا كما هي في إيران
العقل السياسي الغربي يرى الدولة ككيان هش يقوم على الرضا الاقتصادي والتمثيل السياسي، ويعتقد أن أي اهتزاز فيهما يؤدي إلى انهيار النظام. هذا النموذج قد يفسر أزمات بعض الديمقراطيات، لكنه يعجز عن فهم دولة تشكلت في سياق الثورة والحرب والحصار.
إيران لم تُبنَ لتكون دولة رفاه، بل دولة صمود. شرعيتها تقوم على سردية المواجهة والاستقلال وإعادة تعريف السيادة خارج الهيمنة الغربية. لذلك فإن مقاييس “الاستقرار” الغربية تفشل تلقائيًا عند إسقاطها على إيران.
الاحتجاج ليس بالضرورة ثورة
الخطأ الأكثر شيوعًا في القراءة الغربية هو اختزال الشارع الإيراني في كتلة واحدة معارضة بطبيعتها، تنتظر الشرارة الكبرى. الواقع أكثر تعقيدًا: جزء كبير من الاحتجاجات خرج من داخل قاعدة النظام نفسه، وليس من خارجه.
نحن أمام احتجاج على الأداء لا على المشروع، على السياسات لا على الدولة.
الاحتجاج الذي لا ينتج قيادة بديلة، ولا خطابًا سياسيًا جامعًا، ولا تصورًا مختلفًا للدولة، لا يتحول إلى ثورة مهما بلغ حجمه. هو أداة ضغط داخلية، لا قوة إسقاط، وهذا ما يجعل الرهان الأمريكي الدائم على الشارع رهانًا متكرر الفشل.
منظومة سلطة لا واجهة سياسية
إيران ليست دولة يمكن إسقاطها بتغيير الحكومة أو ضغط اقتصادي. إنها منظومة سلطة مركبة: أمنية، دينية، اقتصادية وعقائدية، تعمل بمنطق توزيع الأدوار لا التنافس الصفري.
لهذا تستطيع طهران:
تغيير الحكومات دون تغيير الاتجاه الاستراتيجي
التضحية بالوجوه دون المساس بالبنية
امتصاص الصدمات بدل الانهيار تحتها
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة قوة عظمى تملك فائض أدوات لكنها تعاني عجزًا في النتائج: تضغط اقتصاديًا بلا حسم، وتلوّح عسكريًا دون قرار، وتراهن على الانقسام الداخلي فلا تحصد سوى تعزيز خطاب السيادة لدى خصمها.
المفارقة أن التهديد الخارجي، الذي يفترض أن يشعل الداخل، تحول في الحالة الإيرانية إلى عامل تماسك نسبي.
الاقتصاد: ألم لا يساوي سقوطًا
الأزمة الاقتصادية في إيران حقيقية، والضغوط المعيشية ثقيلة. لكن اختزال السياسة في الاقتصاد هو قراءة سطحية للتاريخ. فالدول لا تسقط بالجوع وحده، بل عندما يفقد النظام قدرته على إنتاج المعنى.
ما دام الصراع مؤطرًا بوصفه صراع سيادة واستقلال، فإن الألم الاقتصادي يُعاد تفسيره لا توجيهه ضد الدولة. وهنا يقع الخطأ الأمريكي المزدوج: يفترض أن العقوبات تضعف الشرعية، ويتجاهل أنها تعيد إنتاجها عبر خطاب الحصار والمواجهة.
من مهسا أميني إلى اليوم: التكيّف لا التفكك
من يراقب المشهد الإيراني يلاحظ مفارقة لافتة: من احتجوا بالأمس أصبحوا جزءًا من السلطة اليوم، ومن يحتجون اليوم كانوا خارجها بالأمس. هذا ليس دليل فوضى، بل دليل تداول داخل النخبة، يمنح النظام قدرة إضافية على التكيف.
السلطة في إيران لا تُختزل في حكومة أو شخص، بل تقوم على شبكة تمتص الغضب عبر إعادة توزيع المسؤولية، لا عبر القمع وحده. لذلك يبدو كل حديث عن “سقوط وشيك” أقرب إلى أمنية سياسية منه إلى تحليل واقعي.
مأزق التفكير الأمريكي
الولايات المتحدة تفكر بمنطق الضربة القاضية، بينما إيران تدير صراعًا طويل النفس. الأولى تبحث عن لحظة كسر، والثانية تراكم نقاط صمود. الأولى تكرر الأدوات نفسها، والثانية تبني على تجربة أثبتت فعاليتها.
النتيجة واضحة: واشنطن تملك القوة، لكنها لا تملك التحول. طهران لا تملك الرفاه، لكنها تملك الزمن.
خلاصة
إيران ليست على حافة السقوط، بل في طور إعادة تموضع دائم. والاحتجاجات ليست نذير انهيار، بل جزء من آلية إدارة التوتر داخل الدولة.
أما الخطأ الأمريكي الأكبر، فهو الإصرار على قراءة إيران كما لو كانت نسخة فاشلة من دولة ليبرالية، لا كدولة تشكلت في قلب الصراع وتعيش به.
الرهان على سقوط إيران من الداخل لم يفشل صدفة، بل لأنه قائم على سوء فهم عميق لمعنى الدولة، الشرعية، والاحتجاج.
ومن لا يفهم خصمه… لا يهزمه.