لماذا تتكاثر قضايا الاغتصاب والفضائح الجنسية في الغرب رغم اتاحته؟ ولماذا تتكرر في المجتمعات المحافظة رغم اللاءات الدينية و الأسرية؟
تاريخ النشر : 21:52 - 2026/02/14
مع تجدد الحديث عن فضائح شخصيات نافذة على خلفية قضية جيفري إبستين، وما رافقها من وثائق وتسريبات صادمة، والجريمة النكراء (اغتصاب طفل لا يتجاوز سن الثلاثة سنوات بروضة الأطفال بحي النصر)، يعود إلى الواجهة سؤال يتكرر في النقاشات الفكرية والإعلامية: لماذا تبدو قضايا الاغتصاب والفضائح الجنسية أكثر حضورًا في المجتمعات الغربية، رغم أن العلاقات الجنسية هناك متاحة اجتماعيًا ولا تُعامل بوصفها من المحرمات الصارمة كما في مجتمعات أخرى؟ وفي المقابل، لماذا لا تختفي هذه الجرائم في مجتمعات عربية وإسلامية ترفع شعار الالتزام الديني والتحلي بالأخلاق؟ وهل تعني إتاحة العلاقات بالضرورة تراجع الضبط الأخلاقي وارتفاع منسوب الجريمة؟
يذهب بعض المفكرين إلى مقاربة حضارية لهذه المسألة. فقد قدم المفكر المصري عبد الوهاب المسيري قراءة نقدية للحداثة الغربية، معتبرًا أن الإشكال لا يتعلق بالجنس في حد ذاته، بل بتحول الإنسان داخل النموذج المادي الحديث إلى كائن يُختزل في جسده ووظائفه البيولوجية. فحين يُفصل الجسد عن المعنى، وتتحول العلاقات إلى أنماط استهلاك، قد تصبح بعض الممارسات العنيفة تعبيرًا عن إرادة الهيمنة والسيطرة أكثر من كونها تعبيرًا عن رغبة عابرة. ووفق هذا المنظور، فإن الجريمة الجنسية ليست بحثًا عن المتعة بقدر ما هي بحث عن سلطة.
غير أن هذا الطرح الفلسفي، على أهميته، لا يكفي وحده لتفسير الظاهرة. فالدراسات في علم الإجرام وعلم النفس الجنائي تشير إلى أن الاعتداءات الجنسية غالبًا ما ترتبط بعوامل معقدة، من بينها اضطرابات الشخصية، والتعرض لصدمات في الطفولة، والعنف الأسري، وتعاطي المخدرات والكحول، إضافة إلى نزعات السيطرة وإذلال الآخر. في هذه الحالات، يكون الفعل الإجرامي تعبيرًا عن خلل نفسي وسلوكي عميق، لا نتيجة "نقص إشباع" كما يُروَّج أحيانًا في الخطاب الشعبي.
كما تطرح الإحصاءات إشكالًا منهجيًا مهمًا. فالمجتمعات الغربية تتميز عادة بآليات تبليغ أكثر فاعلية، وقوانين توسع تعريف الاعتداء والتحرش، وحملات عامة تشجع الضحايا على كسر الصمت. لذلك تبدو الأرقام مرتفعة لأنها موثقة ومعلنة. في المقابل، قد لا تعكس الأرقام المنخفضة في بعض المجتمعات الأخرى الواقع الفعلي، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو ضعف منظومة التبليغ، أو الميل إلى التستر العائلي. ومن ثم، قد يكمن جزء من الفارق في مستوى الشفافية والإفصاح، لا في حجم الجريمة ذاته.
ولا يمكن إغفال التحولات البنيوية التي شهدتها المجتمعات الحديثة عمومًا، مثل تفكك الأسرة الممتدة، وتصاعد النزعة الفردانية، وتنامي العزلة الاجتماعية، والاستهلاك الإعلامي المكثف لمضامين قد تُشيِّئ الجسد أو تُطبع العنف. هذه العوامل تؤثر في تشكيل السلوك الاجتماعي، وهي ليست حكرًا على الغرب، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مجتمعات أخرى تعيش انتقالات ثقافية عميقة، بما فيها المجتمعات العربية والإسلامية.
أما في السياق العربي والإسلامي، فإن رفع شعارات الأخلاق والدين لا يعني بالضرورة غياب الانحراف أو الجريمة. فالمجتمع ليس خطابًا مثاليًا، بل واقعًا مركبًا يتأثر بعوامل اقتصادية ونفسية وتربوية. وقد تسهم ثقافة الصمت والخوف من الفضيحة في إخفاء بعض الجرائم بدل معالجتها، مما يسمح بتكرارها في الخفاء. كما أن اختلال موازين السلطة داخل بعض المؤسسات أو العائلات قد يخلق بيئات خصبة للاستغلال، تمامًا كما يحدث في أي مجتمع آخر.
من هنا، فإن اختزال المسألة في معادلة بسيطة من قبيل "إتاحة الجنس تؤدي إلى زيادة الجرائم" أو "التدين يمنعها تمامًا" قراءة تبسيطية لا تصمد أمام التحليل العلمي. فالجريمة الجنسية ظاهرة إنسانية معقدة، تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وثقافية وقانونية، وترتبط بعلاقات القوة والسلطة داخل المجتمع.
إن النقاش الجاد حول هذه القضية ينبغي أن ينطلق من مقاربة متعددة الأبعاد، توازن بين النقد الثقافي والتحليل العلمي، وتهدف إلى الوقاية والحماية والعدالة للضحايا، بدل الانزلاق إلى إدانة حضارية شاملة لهذا الطرف أو ذاك. فالمشكلة ليست حكرًا على ثقافة بعينها، بل هي تحدٍّ إنساني يتطلب شفافية، ومساءلة، وتربية قائمة على احترام الجسد والكرامة الإنسانية في كل المجتمعات.
مع تجدد الحديث عن فضائح شخصيات نافذة على خلفية قضية جيفري إبستين، وما رافقها من وثائق وتسريبات صادمة، والجريمة النكراء (اغتصاب طفل لا يتجاوز سن الثلاثة سنوات بروضة الأطفال بحي النصر)، يعود إلى الواجهة سؤال يتكرر في النقاشات الفكرية والإعلامية: لماذا تبدو قضايا الاغتصاب والفضائح الجنسية أكثر حضورًا في المجتمعات الغربية، رغم أن العلاقات الجنسية هناك متاحة اجتماعيًا ولا تُعامل بوصفها من المحرمات الصارمة كما في مجتمعات أخرى؟ وفي المقابل، لماذا لا تختفي هذه الجرائم في مجتمعات عربية وإسلامية ترفع شعار الالتزام الديني والتحلي بالأخلاق؟ وهل تعني إتاحة العلاقات بالضرورة تراجع الضبط الأخلاقي وارتفاع منسوب الجريمة؟
يذهب بعض المفكرين إلى مقاربة حضارية لهذه المسألة. فقد قدم المفكر المصري عبد الوهاب المسيري قراءة نقدية للحداثة الغربية، معتبرًا أن الإشكال لا يتعلق بالجنس في حد ذاته، بل بتحول الإنسان داخل النموذج المادي الحديث إلى كائن يُختزل في جسده ووظائفه البيولوجية. فحين يُفصل الجسد عن المعنى، وتتحول العلاقات إلى أنماط استهلاك، قد تصبح بعض الممارسات العنيفة تعبيرًا عن إرادة الهيمنة والسيطرة أكثر من كونها تعبيرًا عن رغبة عابرة. ووفق هذا المنظور، فإن الجريمة الجنسية ليست بحثًا عن المتعة بقدر ما هي بحث عن سلطة.
غير أن هذا الطرح الفلسفي، على أهميته، لا يكفي وحده لتفسير الظاهرة. فالدراسات في علم الإجرام وعلم النفس الجنائي تشير إلى أن الاعتداءات الجنسية غالبًا ما ترتبط بعوامل معقدة، من بينها اضطرابات الشخصية، والتعرض لصدمات في الطفولة، والعنف الأسري، وتعاطي المخدرات والكحول، إضافة إلى نزعات السيطرة وإذلال الآخر. في هذه الحالات، يكون الفعل الإجرامي تعبيرًا عن خلل نفسي وسلوكي عميق، لا نتيجة "نقص إشباع" كما يُروَّج أحيانًا في الخطاب الشعبي.
كما تطرح الإحصاءات إشكالًا منهجيًا مهمًا. فالمجتمعات الغربية تتميز عادة بآليات تبليغ أكثر فاعلية، وقوانين توسع تعريف الاعتداء والتحرش، وحملات عامة تشجع الضحايا على كسر الصمت. لذلك تبدو الأرقام مرتفعة لأنها موثقة ومعلنة. في المقابل، قد لا تعكس الأرقام المنخفضة في بعض المجتمعات الأخرى الواقع الفعلي، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو ضعف منظومة التبليغ، أو الميل إلى التستر العائلي. ومن ثم، قد يكمن جزء من الفارق في مستوى الشفافية والإفصاح، لا في حجم الجريمة ذاته.
ولا يمكن إغفال التحولات البنيوية التي شهدتها المجتمعات الحديثة عمومًا، مثل تفكك الأسرة الممتدة، وتصاعد النزعة الفردانية، وتنامي العزلة الاجتماعية، والاستهلاك الإعلامي المكثف لمضامين قد تُشيِّئ الجسد أو تُطبع العنف. هذه العوامل تؤثر في تشكيل السلوك الاجتماعي، وهي ليست حكرًا على الغرب، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مجتمعات أخرى تعيش انتقالات ثقافية عميقة، بما فيها المجتمعات العربية والإسلامية.
أما في السياق العربي والإسلامي، فإن رفع شعارات الأخلاق والدين لا يعني بالضرورة غياب الانحراف أو الجريمة. فالمجتمع ليس خطابًا مثاليًا، بل واقعًا مركبًا يتأثر بعوامل اقتصادية ونفسية وتربوية. وقد تسهم ثقافة الصمت والخوف من الفضيحة في إخفاء بعض الجرائم بدل معالجتها، مما يسمح بتكرارها في الخفاء. كما أن اختلال موازين السلطة داخل بعض المؤسسات أو العائلات قد يخلق بيئات خصبة للاستغلال، تمامًا كما يحدث في أي مجتمع آخر.
من هنا، فإن اختزال المسألة في معادلة بسيطة من قبيل "إتاحة الجنس تؤدي إلى زيادة الجرائم" أو "التدين يمنعها تمامًا" قراءة تبسيطية لا تصمد أمام التحليل العلمي. فالجريمة الجنسية ظاهرة إنسانية معقدة، تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وثقافية وقانونية، وترتبط بعلاقات القوة والسلطة داخل المجتمع.
إن النقاش الجاد حول هذه القضية ينبغي أن ينطلق من مقاربة متعددة الأبعاد، توازن بين النقد الثقافي والتحليل العلمي، وتهدف إلى الوقاية والحماية والعدالة للضحايا، بدل الانزلاق إلى إدانة حضارية شاملة لهذا الطرف أو ذاك. فالمشكلة ليست حكرًا على ثقافة بعينها، بل هي تحدٍّ إنساني يتطلب شفافية، ومساءلة، وتربية قائمة على احترام الجسد والكرامة الإنسانية في كل المجتمعات.