مع الشروق : ارتباك صهيوني أمام الإيقاع الإيراني

مع الشروق : ارتباك صهيوني أمام الإيقاع الإيراني

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/14

في مشهد يكشف عمق التحوّلات في ميزان القوى الإقليمي بدا أن الزيارة التي قام بها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لم تكن كما روّجت لها الآلة الإعلامية الصهيونية ، فبعد أسابيع من التهويل والتهديد، والتلويح بأن “الخيار العسكري” ضد إيران بات أقرب من أي وقت مضى، جاء اللقاء في البيت الأبيض باهتا وأقل بكثير من سقف التوقّعات التي روجت لها  الدعاية الصهيونية والغربية..
فالاجتماع الذي جمع نتنياهو بترامب، والذي قال عنه البعض إنه اجتماع الحسم ، لم يكن في الحقيقة لقاء مفصليا أو محطة لإعلان مواجهة عسكرية، بل بدا أقرب إلى محاولة استجداء موقف أمريكي أكثر تشددا، في وقت يتصاعد فيه القلق داخل الكيان من تبدلات المشهد الاستراتيجي، خاصة بعد الحديث الإيراني عن إمكانية استهداف الكيان والتلويح بالترسانة الباليستية.
ويتضح أن هرولة نتنياهو إلى واشنطن لم تكن للتفاوض من موقع قوة، بل بدت انعكاسا لحالة ارتباك عميقة. فنتنياهو الذي طالما قدّم نفسه كعرّاب المواجهة مع إيران، وجد أن الحليف الأمريكي لا يشاركه اندفاعه هذه المرة. وقد جاءت تصريحات الرئيس دونالد ترامب عقب اللقاء واضحة، إذ أكد أن المفاوضات مع إيران ستستمر من أجل التوصل إلى اتفاق، وأنه مصرّ على ذلك، مشيرا إلى أنه لم يتم التوصل إلى أي قرار نهائي خلال اجتماعه مع نتنياهو، الذي     وصفه بالجيد جدا.
وبهذا الموقف، وجّه ترامب رسالة مزدوجة الى كل الاطراف، الأولى لطهران بأن باب التفاوض والحوار لم يغلق، والثانية لتل أبيب بأن واشنطن لن تُساق بسهولة إلى مغامرة عسكرية غير محسوبة قد تشعل المنطقة برمّتها.
ويبدو أن هذا التباين الواضح في الأولويات يعكس واقعا جديدا ، فبينما يحاول نتنياهو تسويق خطر داهم لتبرير التصعيد واستعجال الحرب، تبدو الإدارة الأمريكية أكثر ميلا إلى إدارة الصراع عبر المفاوضات عوض الدخول في نزاع مدمّر. كما أن الحديث عن التقدّم الكبير في ملف غزة والمنطقة عموما، كما ورد في تصريحات ترامب، يشير إلى رغبة في تثبيت ترتيبات إقليمية هادئة نسبيا، لا فتح جبهة مواجهة شاملة مع إيران قد تُشعل الإقليم بأسره.
وفي المقابل لا يمكن تجاهل العامل الإيراني في هذه المعادلة ، فطهران، بثباتها السياسي وتقدمها التقني والعسكري، فرضت نفسها رقما صعبا في أي حسابات عسكرية ،  كما أن حسن إدارة المفاوضات، إلى جانب ما يُسمّى بـ“الرعب الباليستي” الذي يتحدث عنه قادة الاحتلال يُعد اعترافا ضمنياً بقدرات ردع باتت تشكل ثقلا حقيقيا في ميزان القوى...
من هنا، تبدو زيارة نتنياهو إلى واشنطن قد فشلت في تحقيق ما وُعد به جمهور الداخل الصهيوني من حسم أو مواجهة كبرى، بل كشفت حدود القدرة على فرض الإملاءات حتى على أقرب الحلفاء. فالقرار في البيت الأبيض بدا أقرب إلى إدارة التوازنات منه إلى تبني المغامرات، فيما تواصل إيران تثبيت معادلة ردع تجعل كلفة الحرب أعلى من أي مكسب متخيل.
ناجح بن جدو 

تعليقات الفيسبوك