فيما أمريكا أصبحت تستعدي الجميع العالـم يهرب إلى الصين

فيما أمريكا أصبحت تستعدي الجميع العالـم يهرب إلى الصين

تاريخ النشر : 11:25 - 2026/09/03

مثلما قالوا قديما «أطلب العلم ولو كان في الصين» أصبح الحج إلى الصين في الظرف الراهن ملاذا للشعوب التائفة  للتخلص من وجع الرأس الناتج عن مطاردة المعادلات المستحيلة. 

في الصين يوجد كل شيء المعرفة والتكنولوجيا  والمال والأهم من ذلك كله «المصداقية»  فسائر حكومات العالم تدرك أنه من المستحيل  أن تخل بيكين بأي وعد تقطعه على نفسها أو إلتزام تتعهد به. 

وكلما تفاقمت التحديات واشتعلت  النيران بسبب ارتدادات  السقوط الأخلاقي المدوّي  للولايات المتحدة الأمريكية كلما تزايدت الحاجة إلى الصين التي أصبحت بالفعل الضامن الرئيسي لاستقرار النظام الدولي بسائر مكوناته بل الحصن المنيع الذي يحمي البشرية من الإنزلاق  إلى قانون الغاب فلولا ثبات الصين لعاد العالم إلى مرحلة القرون الوسطى متأثرا بانفلات الإدارة الأمريكية الواقعة تحت تأثير  جنون الخوف من فقدان العظمة. 

وفي الواقع تجسد الصين التلازم بين الأخلاق والمعرفة حيث أن تفوقها المعرفي والتكنولوجي الذي يجعلها تبدو قطعة من كوكب آخر يعود بالأساس  إلى المرجعيات الأخلاقية القوية التي تحكم العلاقات بين أفراد الشعب الصيني الذي يعتبر العلاقات الأسرية رباطا مقدسا ويؤمن فعلا بأن الفرد لا يكون بخير إلا إذا كان من حوله بخير وهو ما يفسر هذا التناغم الكبير بين مكونات الشعب الصيني الذي يبدو استنساخا لخلية النحل لأنه تربى على عقيدة الإلتزام والإحترام وبنى جسوا صلبة بين الإرث الأخلاقي والمعرفي لحضارة الصين القديمة والصين الجديدة ومن هذه الزاوية بالذّات يمكن فهم كيف استطاعت الصين أن تتجاوز بسرعة تأثيرات ما تعتبره «قرن الذّل» الذي تسبب فيه العقل البريطاني الفاسد باستخدام «حرب الأفيون» لتدمير الدافع الحضاري للشعب الصيني وهي مرحلة بقدر  ما تمثل جرحا بليغا في الذاكرة الصينية فإنها تشكل دليلا على مدى انحطاط «الحضارة الغربية» التي بنت هيمنتها طيلة خلسة قرون من الزمن على الدم بإطلاق الحقبة الإستعمارية وممارسة الإبادة الجماعية واستخدام أساليب قذرة مثل الأفيون والفيروسات لإخضاع شعوب الجنوب. 

وانطلاقا من هذه العقيدة الداخلية تخرج الصين إلى العالم بفلسلفة جديدة تلغي تضارب المصالح باعتباره أساس صراعات الهيمنة وتبني في المقابل نمطا مختلفا للعلاقات بين الشعوب ومقاربة مغايرة للتحكيم الدولي تقدم أجوبة حاسمة لحالة عدم اليقين التي تخيّم على المشهد العالي الراهن في ظل المخاوف المتعاظمة لدى شعوب الشمال والجنوب على حدّ سواء من العودة إلى مآسي الحرب الكونية الثانية وتوحش القرون الوسطى. 

فالصين تؤمن فعلا بمبدأ  الإزدهار المشترك كما ترى في احترام الخصوصيات الثقافية للشعوب شرطا لا محيد عنه للإستقرار الدولي بل أساس استدامة الحياة على كوكب الأرض  التي تواجه اليوم تحديات مصيرية بسبب مفاربات التنميط والمسخ الثقافي التي قامت عليها الهيمنة الغربية  وبلغت ذروتها في مرحلة «شرطي العالم الأوحد». 

وبمراكمة عناصر القوة المادية والمعنوية اكتسبت الصين القدرة على ممارسة دور محوري في إحياء الحضارة الإنسانية وتخليصها من الأدران التي علقت بها بسبب النهضة الغربية المزيفة التي يتضح اليوم أنها تسببت في استشراء الجهل والفساد  بإستعدائها للقيم بما في ذلك المرجعيات الدينية المسيحية قبل الإسلامية وهو ما أوصل دولا مثل اليابان وألمانيا إلى حافة الإندثار بإنهيار خلية العائلة واختلال وظيفة التناسل. 

وعندما تستعيد  حضارة الصين مكانتها المركزية تستفيق حتما سائر الحضارات العريقة من إيران الفارسية ومصر الفرعونية وحضارة الإغريق في اليونان وقرطاج في شمال افريقيا لأن الصين بتفوقها المعرفي والأخلاقي تشكل مقاربة عملية للتحرر الوطني الذي لا يتحقق بالإنبهار بالمستعمر  وإنما بتثمين القدرات والخصوصيات الوطنية وتجديد تراث الأجداد. 

وعندما قال الرئيسي الصيني في الذكرى الثمانين للنهاية الحرب العالمية الثانية «إن الصين جاهزة للسلم والحرب» فإنه  قد أبرق برسالة طمأنة للبشرية بأسرها كفيلة بتبديد المخاوف من التوحش الأمريكي الذي من الطبيعي أن يتجاوز كل الخطوط الحمراء ويتسبب في هزات عنيفة للسلم الدولي والاقتصاد العالمي لأن الولايات المتحدة تصل اليوم إلى نهاية دورة تاريخية في ظل مؤسسات نخرها الفساد وشعب لم يعد قادرا على تحمل الإستبداد الناعم الذي حول المواطن الأمريكي إلى مجرد رقم صغير في آلة ربح جشعة ومتوحشة.

والواضح  أن انتصار  الصين الساحق  في حرب  الرسوم الجمركية  شكل   لحظة فارقة أنهت حالة  الإنتظار التي كانت تخيم على المشهد الدولي  حيث تواتر بعدها حج زعماء العالم  بما في ذلك  الكندا والدول الأوروبية  الكبرى إلى بيكين  لأن موازين القوى أصبحت واضحة  تماما فالطريق  الذي تمضي فيه أمريكا نهايته  الإصطدام بالجدار. 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

سجلت ألمانيا عددا غير مسبوق من الوفيات المرتبطة بالحرارة، بلغ 16300 حالة، خلال موجات الحر الشديدة
13:36 - 2026/09/03
في وقت يستعد فيه الجيش الأميركي لإبقاء عشرات الآلاف من قواته في الشرق الأوسط حتى العام المقبل 202
13:16 - 2026/09/03
شهد المحيط الهادئ الخميس ظاهرة نادرة تمثلت في وجود ثلاثة أعاصير بصورة متزامنة، ما عزاه العلماء إل
12:34 - 2026/09/03
أعلنت شرطة مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا، الأربعاء، مقتل شخصين وإصابة آخرين بينهم 3 من رجال
09:43 - 2026/09/03
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة  أنطونيو غوتيريش، عن القلق البالغ إزاء تجدد تبادل إطلاق النار الل
08:05 - 2026/09/03
ردّت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقوة على العدوان الأمريكي المفاجئ، بشنّ هجمات استهدفت قواعد وم
07:00 - 2026/09/03
تواصل قوات الجيش الإسرائيلي، لليوم الـ328 على التوالي، خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الح
07:00 - 2026/09/03
لطالما استغلت التنظيمات الإرهابية الفوضى التي تعيشها ليبيا منذ عقد ونصف كمركز للتدريب لكن اليوم ت
07:00 - 2026/09/03