مع الشروق : الكيان الصهيوني... من حليف إلى عبء

مع الشروق : الكيان الصهيوني... من حليف إلى عبء

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/03

ثمة شيء ما يتغيّر في الداخل الأمريكي، وليس من السهل هذه المرة اختزاله في احتجاجات عابرة أو خلاف سياسي حول حرب بعينها، فالصورة التي بنتها إسرائيل لعقود داخل الولايات المتحدة، باعتبارها حليفا ديمقراطيا صغيرا ومحاصرا وفق روايتهم الزائفة، تتعرض اليوم لتصدّع عميق، والأخطر بالنسبة إليها أن هذا التصدّع لم يعد محصورا في الجامعات أو الأوساط اليسارية، بل بدأ يلامس قطاعات أوسع من الرأي العام، ويظهر بصورة متزايدة في الحسابات الانتخابية والسياسية.
الأرقام تكشف لوحدها حجم التحول، ففي ربيع 2022 كان 55 % من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بصورة إيجابية، مقابل 42 % بصورة سلبية، وفي ربيع 2026 انقلبت المعادلة بصورة دراماتيكية، 37 % فقط يحملون نظرة إيجابية إلى إسرائيل، مقابل 60 % ينظرون إليها سلبا، كما أن 59 % من الأمريكيين لا يثقون برئيس الحكومة الصهيونية الفاشية بنيامين نتنياهو، مقابل 27 % فقط يعبّرون عن ثقتهم به.
هذه ليست مجرد أرقام في استطلاع رأي، بقدر ما تشكّل مؤشرا بيّنا على تشوه الصورة الإسرائيلية في الوعي الأمريكي، وإلى اتساع المسافة بين إسرائيل كما تريد أن تُرى، وإسرائيل كما أصبح جزء متزايد من الأمريكيين يرونها كدولة مرتبطة بالحرب والدمار وانتهاكات حقوق الفلسطينيين، وليس فقط بالهاسبارا التقليدية الكاذبة عن الأمن والديمقراطية والتحالف الاستراتيجي.
والأكثر دلالة أن التحول بدأ يفرض نفسه حتى على الحسابات السياسية، ففي انتخابات مجلس الشيوخ في ميشيغان، طلب حلفاء المرشح الجمهوري مايك روجرز من "إيباك" عدم الظهور علنا إلى جانبه، خشية أن يتحول الدعم الإسرائيلي إلى عبء انتخابي، وحين يصبح المرشح الأمريكي نفسه حذرا من إظهار علاقته العلنية بأقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، فإننا أمام علامة سياسية لا يمكن تجاهلها.
لكن السؤال الحقيقي ليس ماذا يفعل الكيان الغاصب أمام هذا التحول، بل ماذا يفعل العرب به، فالتحولات في الرأي العام الأمريكي لا تتحول تلقائيا إلى حقوق فلسطينية، فهي تحتاج إلى عمل سياسي ودبلوماسي وإعلامي عربي منظم يحوّل تراجع الصورة الإسرائيلية إلى تغيير في كلفة الاحتلال السياسية.
المطلوب ألا يكتفي العرب بمراقبة تراجع إسرائيل في استطلاعات الرأي، بل أن يبنوا على ذلك جسورا مع المجتمع المدني الأمريكي، والجامعات، والإعلام، والنقابات، والكنائس، ومراكز الأبحاث، والأجيال الشابة، وأن يقدموا الرواية الفلسطينية بلغة الحقوق والقانون والعدالة، لا بلغة الصراع الأيديولوجي وحدها.
لا شكّ أن المعادلة قد بدأت في التحرك، وإذا كان الكيان المحتل قد نجح لعقود في تحويل نفوذه داخل واشنطن إلى غطاء سياسي، فإن الفرصة العربية اليوم هي تحويل التحول في الشارع الأمريكي إلى ضغط سياسي من أجل إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وحماية الشعب الفلسطيني، وفتح الطريق أمام دولة فلسطينية ذات سيادة وحقوق كاملة.
فاللحظة الراهنة لا تعني أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي انتهى، ولا أن واشنطن أصبحت فجأة في المعسكر الفلسطيني، لكنها تعني شيئا قد يكون أكثر أهمية، وهو أن احتكار إسرائيل للرواية داخل المجتمع الأمريكي لم يعد أمرا مسلّما به، وهذه التفصيلة إذا أحسن العرب استثمارها، قد تكون بداية استعادة واحدة من أهم المعارك التي خسروا فيها طويلا، معركة الصورة، والرواية، والشرعية الأخلاقية والسياسية للقضية الفلسطينية.
هاشم بوعزيز

تعليقات الفيسبوك