مع الشروق : متى نقطع مع «رزق البيليك»؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/02
لم يكن الاعتداء الذي استهدف عربتي مترو تابعتين لشركة نقل تونس، مساء السبت الماضي، برشقهما بالحجارة وتهشيم بلورهما، مجرد حادثة تخريب معزولة أو سلوكا طائشا يمكن أن يمر مرور الكرام، فمثل هذه الأفعال، التي تتكرر من حين إلى آخر، تعكس إشكالا أعمق يتعلق بعلاقة جزء من المجتمع بالملك العام، وبمدى ترسخ ثقافة المواطنة والمسؤولية الجماعية.
فالقطار أو الحافلة أو المترو ليست ملكا لمؤسسة عمومية بالمعنى الضيق، بل هي ملك لكل التونسيين، وكل دينار يُصرف لإصلاح نافذة محطمة أو عربة متضررة هو في جوهره مال عمومي كان يمكن أن يوجَّه إلى اقتناء وسائل نقل جديدة، أو تحسين الخدمات، أو تجديد الأسطول، أو الرفع من جودة التنقل اليومي لمئات الآلاف من المواطنين.
ومن المؤسف حقا أن تواصل عقلية "رزق البيليك" فرض حضورها لدى فئة قليلة، تعتبر أن الممتلكات العمومية لا صاحب لها، وأن الاعتداء عليها لا يترتب عنه ضرر حقيقي، والحال أن أول المتضررين من هذه التصرفات هم المواطنون أنفسهم، الذين يجدون أنفسهم أمام سفرات ملغاة، أو وسائل نقل معطبة، أو خدمات تتراجع جودتها بسبب الأموال التي تُستنزف في إصلاح ما أتلفه التخريب. إن تخريب وسيلة نقل عمومي لا يقتصر أثره على كسر قطعة زجاج أو إلحاق ضرر مادي بعربة مترو، بل يمتد إلى تهديد سلامة المسافرين والأعوان، وإرباك سير المرفق العمومي، وتعطيل مصالح آلاف الأشخاص الذين يعتمدون يوميا على النقل العمومي للوصول إلى أماكن عملهم أو دراستهم، والأسوأ من ذلك أن مثل هذه الممارسات تسيء إلى صورة المجتمع، وتعكس تمثّلا خاطئا في احترام الفضاء العام والممتلكات المشتركة.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن تراجع ثقافة المحافظة على الملك العام لدى جزء من المجتمع، فالمواطنة لا تُقاس فقط بالمطالبة بالحقوق، وإنما أيضا بالالتزام بالواجبات، وفي مقدمتها حماية الممتلكات التي تمثل رصيدا مشتركا لجميع المواطنين، فالدولة، مهما استثمرت في شراء حافلات جديدة أو تطوير شبكات المترو والقطارات، لن تستطيع تحقيق النتائج المرجوة إذا بقيت هذه الاستثمارات عرضة للتخريب والاعتداء.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يقتصر التعامل مع هذه الظاهرة على التنديد بعد وقوعها، بل يجب أن يكون جزءا من استراتيجية مشتركة تقوم على الردع والتوعية في الآن نفسه، فالردع القانوني مهم، لكن بناء الوعي أيضا يظل ضمانة مهمة لتغيير السلوكيات على المدى الطويل.
وهنا يبرز دور المدرسة والأسرة والإعلام والمجتمع المدني في ترسيخ ثقافة جديدة، تجعل من المحافظة على الملك العام سلوكا يوميا وليس مجرد شعار، فمنذ السنوات الأولى للتنشئة، يجب أن يتعلم الطفل أن الحافلة التي يستقلها، والحديقة التي يلعب فيها، والرصيف الذي يسير عليه، هي ممتلكات تخصه كما تخص غيره، وأن الحفاظ عليها يعكس احترامه لنفسه ولمجتمعه.
كما أن وسائل الإعلام مطالبة بإيلاء هذا الموضوع ما يستحقه من اهتمام، ليس فقط من خلال نقل أخبار الاعتداءات، وإنما أيضا عبر حملات توعوية تبرز الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأفعال، وتوضح أن كل عملية تخريب تؤخر تحسين الخدمات العمومية، وتستنزف موارد تحتاجها البلاد في مجالات أكثر أولوية.
إن حماية وسائل النقل العمومي ليست مسؤولية هيكل بذاته، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من وعي المواطن بأن الملك العام هو ملكه الشخصي وملك أبنائه، واليوم، وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تعيشها تونس، يصبح الحفاظ على كل مرفق عمومي وكل استثمار وطني واجبا وطنيا قبل أن يكون التزاما قانونيا.
ولا شك أن المجتمعات المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه بفضل القوانين وحدها، بل لأنها نجحت في ترسيخ ثقافة تعتبر أن حماية الممتلكات العامة هي عنوان للرقي والتحضر، فحين نغادر نهائيا عقلية "رزق البيليك"، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر مسؤولية، وأكثر احتراما لمقدراته، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.
هاشم بوعزيز
لم يكن الاعتداء الذي استهدف عربتي مترو تابعتين لشركة نقل تونس، مساء السبت الماضي، برشقهما بالحجارة وتهشيم بلورهما، مجرد حادثة تخريب معزولة أو سلوكا طائشا يمكن أن يمر مرور الكرام، فمثل هذه الأفعال، التي تتكرر من حين إلى آخر، تعكس إشكالا أعمق يتعلق بعلاقة جزء من المجتمع بالملك العام، وبمدى ترسخ ثقافة المواطنة والمسؤولية الجماعية.
فالقطار أو الحافلة أو المترو ليست ملكا لمؤسسة عمومية بالمعنى الضيق، بل هي ملك لكل التونسيين، وكل دينار يُصرف لإصلاح نافذة محطمة أو عربة متضررة هو في جوهره مال عمومي كان يمكن أن يوجَّه إلى اقتناء وسائل نقل جديدة، أو تحسين الخدمات، أو تجديد الأسطول، أو الرفع من جودة التنقل اليومي لمئات الآلاف من المواطنين.
ومن المؤسف حقا أن تواصل عقلية "رزق البيليك" فرض حضورها لدى فئة قليلة، تعتبر أن الممتلكات العمومية لا صاحب لها، وأن الاعتداء عليها لا يترتب عنه ضرر حقيقي، والحال أن أول المتضررين من هذه التصرفات هم المواطنون أنفسهم، الذين يجدون أنفسهم أمام سفرات ملغاة، أو وسائل نقل معطبة، أو خدمات تتراجع جودتها بسبب الأموال التي تُستنزف في إصلاح ما أتلفه التخريب. إن تخريب وسيلة نقل عمومي لا يقتصر أثره على كسر قطعة زجاج أو إلحاق ضرر مادي بعربة مترو، بل يمتد إلى تهديد سلامة المسافرين والأعوان، وإرباك سير المرفق العمومي، وتعطيل مصالح آلاف الأشخاص الذين يعتمدون يوميا على النقل العمومي للوصول إلى أماكن عملهم أو دراستهم، والأسوأ من ذلك أن مثل هذه الممارسات تسيء إلى صورة المجتمع، وتعكس تمثّلا خاطئا في احترام الفضاء العام والممتلكات المشتركة.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن تراجع ثقافة المحافظة على الملك العام لدى جزء من المجتمع، فالمواطنة لا تُقاس فقط بالمطالبة بالحقوق، وإنما أيضا بالالتزام بالواجبات، وفي مقدمتها حماية الممتلكات التي تمثل رصيدا مشتركا لجميع المواطنين، فالدولة، مهما استثمرت في شراء حافلات جديدة أو تطوير شبكات المترو والقطارات، لن تستطيع تحقيق النتائج المرجوة إذا بقيت هذه الاستثمارات عرضة للتخريب والاعتداء.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يقتصر التعامل مع هذه الظاهرة على التنديد بعد وقوعها، بل يجب أن يكون جزءا من استراتيجية مشتركة تقوم على الردع والتوعية في الآن نفسه، فالردع القانوني مهم، لكن بناء الوعي أيضا يظل ضمانة مهمة لتغيير السلوكيات على المدى الطويل.
وهنا يبرز دور المدرسة والأسرة والإعلام والمجتمع المدني في ترسيخ ثقافة جديدة، تجعل من المحافظة على الملك العام سلوكا يوميا وليس مجرد شعار، فمنذ السنوات الأولى للتنشئة، يجب أن يتعلم الطفل أن الحافلة التي يستقلها، والحديقة التي يلعب فيها، والرصيف الذي يسير عليه، هي ممتلكات تخصه كما تخص غيره، وأن الحفاظ عليها يعكس احترامه لنفسه ولمجتمعه.
كما أن وسائل الإعلام مطالبة بإيلاء هذا الموضوع ما يستحقه من اهتمام، ليس فقط من خلال نقل أخبار الاعتداءات، وإنما أيضا عبر حملات توعوية تبرز الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأفعال، وتوضح أن كل عملية تخريب تؤخر تحسين الخدمات العمومية، وتستنزف موارد تحتاجها البلاد في مجالات أكثر أولوية.
إن حماية وسائل النقل العمومي ليست مسؤولية هيكل بذاته، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من وعي المواطن بأن الملك العام هو ملكه الشخصي وملك أبنائه، واليوم، وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تعيشها تونس، يصبح الحفاظ على كل مرفق عمومي وكل استثمار وطني واجبا وطنيا قبل أن يكون التزاما قانونيا.
ولا شك أن المجتمعات المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه بفضل القوانين وحدها، بل لأنها نجحت في ترسيخ ثقافة تعتبر أن حماية الممتلكات العامة هي عنوان للرقي والتحضر، فحين نغادر نهائيا عقلية "رزق البيليك"، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو مجتمع أكثر مسؤولية، وأكثر احتراما لمقدراته، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.
هاشم بوعزيز