مع الشروق : تونس ..ورمال الجوار المتحرّكة!

مع الشروق : تونس ..ورمال الجوار المتحرّكة!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/21

خريطة الجوار التونسي لم تعد ثابتة في هذه الفترة ، ففي الوقت الذي يراوح فيه اتحاد المغرب العربي مكانه، تتسارع تحولات جيو-سياسية عميقة في المغرب والجزائر وليبيا، تعيد رسم موازين القوى في شمال إفريقيا، وتضع تونس أمام خيارات استراتيجية جديدة.
ففي الرباط، يتعمق للأسف الشديد مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني باتفاقات لفتح سفارات في البلدين وتعيين سفراء، وإطلاق خطوط طيران مباشرة، وشراكات تجارية. هذا التقارب ليس دبلوماسيا فحسب، بل بوابة لتوسيع التعاون الدفاعي والعسكري، ما يمنح المغرب حسب بعض الملاحظين أوراق نفوذ إضافية في ملفات إقليمية حساسة كـ الصحراء الغربية وليبيا والساحل.. وفي الخلفية، تعزز العلاقة المغربية–الأمريكية القوية قدرة الرباط على المناورة إقليميا ودوليا.
أما الجزائر الشقيق، فقد اختار مسارا يقوم على تشديد السيادة والاستقلال الاستراتيجي وهو ما يبرز بوضوح في الخلافات والتصعيد السياسي والإعلامي مع دولة الإمارات جراء تضارب الأدوار في ليبيا والساحل، وهو ما يقرأه متابعون في سياق «حرب باردة عربية» متصاعدة ،  وفي المقابل، أعاد الجزائر بناء جسوره مع دول الساحل (النيجر، بوركينا فاسو، مالي)، واستأنف علاقاته الدبلوماسية، بل وأرسل مقاتلاته إلى النيجر لدعم جيشها بعد محاولة تمرد.
وفي ليبيا، وقّع ممثلو السلطتين في الشرق والغرب اتفاقا بطرابلس برعاية أممية، يُسوَّق كخطوة نحو انتخابات خلال 24 شهرا، لكن التنافس بين طرابلس وبنغازي يتصاعد حول مناطق حدودية حيوية، مع محاولات طرابلس استخدام إطار «مجتمع دول الساحل والصحراء» لتقريب الموقف مع تشاد، وهو ما يعكس تعقد التوازنات بين الطرفين.. هذه الديناميكية تمس تونس مباشرة عبر أمن الحدود وتدفقات الهجرة، والملفات الأمنية المشتركة عموما.
هذه التحولات تضع تونس في واقع جديد مع دول شقيقة وصديقة تربطنا بها علاقات تاريخية وجغرافية ودموية وثيقة .. فالمغرب يشعر انه ازداد وزنا كحليف غربي صهيوني، والجزائر تتحول إلى لاعب إقليمي أكثر صلابة وجرأة، بينما يظل الاتحاد المغاربي مجمدا وليبيا ساحة صراع.. في هذا المشهد، لا يكفي الاكتفاء بالتنسيق الأمني الثلاثي التقليدي، بل المطلوب الانتقال إلى دبلوماسية نشيطة ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية.
 المطلوب اليوم هو مراجعة العلاقة مع المغرب بهدوء وواقعية، مع التمييز بين الشعب المغربي الشقيق وسياسات حكومته، خصوصا مع تنامي علاقات الرباط وتحالفاتها الإقليمية. وهذا يقتضي من تونس رصد هذه التحولات وما قد تفرزه من تداعيات على مصالحها وأمنها، ولا سيما في ملفات الهجرة والتهريب، مع تحديد مصالحها وخطوطها الحمراء بوضوح، بما ينسجم مع موقفها المبدئي الرافض للتطبيع والداعم للقضية الفلسطينية.
وفي المقابل، يجب مزيد تعميق العلاقات مع الجزائر عبر مشاريع مشتركة في الكهرباء وتحلية المياه والمناطق الحرة وغيرها، بما يجعل الاعتماد المتبادل رافعة للأمن القومي والتنمية. كما يتعين على تونس الانخراط بفاعلية في الملف الليبي، عبر دعم التوافق الليبي-الليبي والتنسيق مع مختلف الأطراف والمؤسسات الليبية، وتجنب الانجرار وراء المحاور المتصارعة.
في كلمة، إن التغيرات المتسارعة في شمال إفريقيا خصوصا والعالم عموما تستوجب دبلوماسية ذكية تحترم ثوابت تونس وإجماع شعبها، وشراكات مدروسة، ورؤية تضع تونس ندا فاعلا في كل علاقاتها الدولية.
راشد شعور
 

تعليقات الفيسبوك