مع الشروق : بين المناورة العسكرية والسياسة الإقليمية

مع الشروق : بين المناورة العسكرية والسياسة الإقليمية

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/12

يُنظر إلى زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في سياق دقيق يستقطب شتى القراءات السياسية والاستراتيجية حول مصير الحروب في الشرق الأوسط وعلاقة تل أبيب بواشنطن. 
فهذه الزيارة، التي جاءت في وقت دقيق من المفاوضات النووية مع إيران وتوترات إقليمية مستمرة، لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل محاولة إسرائيلية واضحة لتثبيت دورها في توجيه السياسة الأمريكية تجاه كل من غزة وإيران ومستقبل المنطقة بأسرها. 
وإذا ما رصدنا أولى الدلالات، نجد أن زيارات نتنياهو المتكررة إلى واشنطن في الأشهر الستّ الأخيرة، تستنبط سعيا بيّنا للضغط على الإدارة الأمريكية لتعزيز موقفها ضد إيران، خصوصا في ظل استئناف الحوار النووي بين واشنطن وطهران، ومحاولة التوصّل إلى اتفاق قد يُعتبر مناسبا لطهران أكثر مما يرضي حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة. 
هذه الجولة جاءت في أعقاب مباحثات أمريكية إيرانية جارية، ما أثار مخاوف إسرائيل التي بدت غير راضية عن أي تسوية قد تُبقي على البرنامج النووي الإيراني أو تسمح لطهران بالتحايل عليه، حيث تحاول تل أبيب أن تُبقي واشنطن على موقف أكثر تشددا، يستبعد أي تساهل في ملف الصواريخ الباليستية والقدرات النووية، كما تسعى لتعزيز الضمانات الأمنية الأمريكية تجاهها. 
زيارة نتنياهو للولايات المتحدة هذه المرة ليست عادية لعدة أسباب تتجاوز الطبيعي في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فمن جهة، يؤكد بعض المحللين أنّ الهدف من الزيارة هو التأثير في الموقف الأمريكي حول ما يمكن اعتباره "الخطوة التالية" في التعامل مع إيران، خصوصا في سياق النزاع النووي والصاروخي، حيث يسعى نتنياهو لضغط إضافي على ترامب ليتبنّى توجّهات أكثر صرامة، أو حتى خطوات قد تفضي إلى مواجهة أوسع مع طهران، إذا ما اعتُبر الاتفاق النووي الجديد مضرّا بمصالح إسرائيلية. 
ومن جهة أخرى، تبدو واشنطن نفسها في وضع حساس، إذ تحاول إدارة ترامب الموازنة بين دعم إسرائيل ومصالحها الإقليمية وبين تجنّب تصعيد عسكري واسع قد يؤدي إلى حملة أكبر من مجرد مواجهة مع إيران، إذ هناك ضغوط داخل البيت الأبيض والكونغرس تتعلّق منذ فترة طويلة بالملف الإيراني، لكنّ الخطوات الأمريكية تُظهر تردّدا واضحا في اتخاذ "الضوء الأخضر" لأي عمل مباشر ضد طهران. 
ولا يمكن قراءة زيارة نتنياهو بمعزل عن السياق الداخلي والدولي، ففي الداخل الإسرائيلي، يشكّل نتنياهو شخصية مثيرة للجدل، وتراجعت شعبيته في بعض الأوساط نتيجة السياسات المدمّرة والعدوانية وآثار الحرب الغاشمة على غزة، ونتنياهو يحتاج إلى تعزيز تموقعه داخليا من خلال صفقات دعم خارجي، في وقت تتزايد فيه انتقادات المجتمع الدولي لسياسته. 
أما دوليا، فإنّ الزيارة تأتي في وقت حساس من المفاوضات حول الاتفاق النووي الإيراني، حيث تتداخل وتختلف وجهات النظر بين الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني حول الحلول الممكنة، فإدارة ترامب تريد مقاربة تجمع الدبلوماسية مع الضغط، بينما الكيان المحتل يطالب بتشدد أكبر، مما يخلق نوعا من التوتر الاستراتيجي داخل العلاقة بين الطرفين.
ورغم ذلك، تقول بعض المصادر الأمريكية إن نتنياهو لن يحصل على الضوء الأخضر لخوض حرب ضد إيران مباشرة من قبل واشنطن، لا سيما أن الإدارة الأمريكية نفسها تبدي رغبة في حلّ دبلوماسي متدرّج، وتجنّب اندلاع مواجهة واسعة قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي. 
ورغم كل هذه التقلبات، يبقى السؤال قائما حول قدرة الكيان الغاصب على جرّ واشنطن إلى مسار الحرب ضد إيران، أم أن الإدارة الأمريكية ستواصل العمل ضمن رافد يوازن بين الحفاظ على النفوذ الأمريكي وتجنّب مواجهة ذات تداعيات شاملة ومدمّرة، وهو ما ستكشفه الأيام المقبلة في ملف يُعدّ من أكثر الملفات حساسية.
هاشم بوعزيز

تعليقات الفيسبوك