مع الشروق : المنظومة التعليمية لا تنهض بالشّعارات

مع الشروق : المنظومة التعليمية لا تنهض بالشّعارات

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/17

وعد وزير التربية، نور الدّين النوري مؤخرا باعتماد "آليات تدريس خلال السنة المقبلة ستكون مريحة". من قبله، في سنة 2024، سبق لوزيرة التربية آنذاك أن وعدت ب"المدرسة السّعيدة"، حيث ما تزال الشعارات المبهرة تُرفع في غياب الملف الأكبر، وهو إصلاح التعليم العمومي في جميع مراحله والوقوف عند أهم عثراته وهناته.
الأولى بالطرح في هذا الإطار ليس التسميات ولا التنافس على الشعارات، بل التفكير الجدي في خلق منظومة تعليمية وتربوية جاذبة تُغلق الباب أمام الانقطاع المدرسي، وتؤمّن تعليما بجودة عالية يسمح بالانتقال المرن للتلاميذ بين الأقسام والمستويات العلمية دون الاتكاء على الدّروس الخصوصية، ويخلق حاضنة تربوية مُرغّبة تجعل المستوى التعليمي للتلميذ يتلاءم مع مكتسباته الذاتية عند التقييم وليس العكس.
وهو ما يجعل معضلة المنظومة العمومية أعمق من اختزالها في أهداف ارتجالية من قبيل المدرسة السعيدة والمريحة، تُسوَّق لحلول الظّاهر ولا تعالج في الأصل الأسباب الكامنة، وهي في الحقيقة أسباب لم تعد سرّا تكشف حقيقتها الأرقام الصادرة من وزارة التربية نفسها.
إذ عندما يتحدّث أحد وزراء التربية عن مدرسة غير قادرة اليوم على تمكين التلميذ من مكتسبات في القراءة السَّلسة ومهارات الحساب، فهو بمثل هذه الحقيقة الصادمة يشير إلى خلل عميق في المنظومة التربوية والتعليمية يكشف هشاشتها، خاصة في الامتحانات الوطنية والأقسام النهائية.

هذه المحطات التقييمية تفرز نسبة من المتميزين تظل في النهاية محدودة مقارنة بارتفاع عدد الراسبين والمؤجلين والناجحين بالإسعاف والمتحصلين على المعدل القانوني دون زيادة أو نقصان، دون اعتبار المنقطعين، وهم  بالآلاف سنويا.

وعلينا أن نذكّر في هذا السياق بتصريح للوزير الأسبق فتحي السلاوتي منذ أربع سنوات أثار جدلا كبيرا، حيث قال إن 75٪ من تلاميذ مناظرة السيزيام في حالة شبه أمّية، و83٪ من تلاميذ النوفيام كذلك. كما أشار إلى أن نسبة كبيرة منهم لم تتحصل على المعدل في الحساب والعربية والفرنسية، وهي مواد أساسية، بل تعتبر مواد البناء السّليم لمستوى تلميذ طبيعي  لا يشكو من صعوبات في التعلم.

كما قال السلاوتي في نفس المجال فإن نسب النجاح المرتفعة في بعض المراحل الدراسية لا تعكس مستوى التلميذ الحقيقي، خاصة أن نظام التدرج المدرسي يسمح بمرور أغلب التلاميذ من الابتدائي إلى الثانوي رغم ضعف مكتسباتهم الأساسية، لتكون نسب النجاح في الابتدائي والإعدادي مرتفعة جدا، وعند الوصول إلى البكالوريا لا تبلغ في الدورة الرئيسية خمسين بالمائة، ومثل هذا الشّرخ الواسع يضعنا أمام مفارقة عجيبة وحالة من الانفصام التربوي .
طبعا أمام منظومة تعليمية تُفرز نجاحا لا يقابل المستوى الفعلي للتلميذ، وتُعرّي الحقيقة في الامتحانات الوطنية، وأهمها البكالوريا والنوفيام والسيزيام، من الضروري قبل الحديث عن مدرسة سعيدة ومريحة التعجيل بخلق مدرسة صديقة للتلاميذ تُعدّهم أحسن إعدادا وتُخرجهم من حالة الأمية الجديدة.
ونحن بذلك نحتاج إلى ثورة في المنظومة التعليمية تضع هدفا رئيسيا أمامها، وهو بناء تلميذ متوازن ومتمكّن ،قادر على النجاح خارج سياسات النّفخ   ، لا تقوم تعلّماته  على التلقين وحشو الرؤوس وتضخيم الأعداد، منظومة  تراوح بين التعليم والتربية وتهذيب الذوق والسلوك و بناء الشخصية و لا تفرز تلميذا يسبح مع النجوم وآخر يحبو على الأرض. وعندما يتحقق ذلك نستطيع أن نرفع الشعارات، وبكل الألوان.

وحيدة المي 
 

تعليقات الفيسبوك