مع الشروق : التغير المناخي والمعادلات الاقتصادية
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/23
لم تعد موجات الحر الاستثنائية التي ضربت دول حوض البحر الأبيض المتوسط خلال هذا الصيف مجرد حدث تتناقل تداعياته وسائل التواصل الاجتماعي، بقدر ما تحولت إلى مؤشر واضح على أن العالم دخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز "التغير المناخي"، فما تشهده أوروبا وجنوب المتوسط من درجات حرارة قياسية، وحرائق غابات، وضغوط متزايدة على شبكات الكهرباء والمياه، يؤكد أن تغير المناخ لم يعد تحديا بيئيا فحسب، بل تحول إلى قضية اقتصادية واستراتيجية ستعيد رسم أولويات الدول خلال العقود القادمة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاقتصاد والمناخ أصبحا وجهين لعملة واحدة، فكل ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة ينعكس مباشرة على الإنتاج الفلاحي، واستهلاك الطاقة، والنقل، والسياحة، والصحة، وأسعار الغذاء، ولم يعد السؤال المطروح هو إن كانت آثار التغير المناخي ستؤثر في الاقتصاد، بل كيف يمكن للاقتصادات أن تتأقلم معها، وأن تحول هذا التحدي إلى فرصة للنمو والابتكار.
وفي منطقة المتوسط، التي يصنفها الخبراء ضمن أكثر المناطق هشاشة أمام التغيرات المناخية، تبدو هذه التحولات أكثر وضوحا من أي وقت مضى، فموجات الحر أصبحت أطول وأكثر شدة، والطلب على الكهرباء يرتفع بشكل قياسي نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، بينما تتزايد الضغوط على الموارد المائية والفلاحية، وهذه المعطيات تجعل من السياسات البيئية جزءًا لا يتجزأ من السياسات الاقتصادية.
لقد بدأت الاقتصادات الكبرى تدرك هذه الحقيقة مبكرا، فالاستثمارات في الطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والنقل الكهربائي، وكفاءة استهلاك الطاقة، لم تعد تقدم باعتبارها مبادرات لحماية البيئة فقط، بل أصبحت أدوات لتعزيز الأمن الطاقي، وتقليص التبعية للوقود الأحفوري، وخلق صناعات جديدة ذات قيمة مضافة عالية. لا شكّ أن ما شهدته أوروبا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، أبرز بوضوح أن الاعتماد المفرط على مصادر الطاقة التقليدية لم يعد خيارا آمنا، وأن تنويع مصادر الطاقة أصبح قضية سيادة اقتصادية بامتياز، لذلك تعمل الدول الأوروبية على التوجه نحو استيراد الطاقة النظيفة من دول جنوب المتوسط ومن أهمها تونس.
وفي هذا السياق، تبدو أمام بلادنا فرصة كبرى لتحقيق الاستفادة الاقتصادية والطاقية، فالبلاد تتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس في السنة، إضافة إلى إمكانات مهمة في مجال طاقة الرياح، وهو ما يجعلها من بين الدول المؤهلة لتصبح مركزا إقليميا لإنتاج الكهرباء النظيفة وتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر.
ومن الثابت أن العالم يتجه نحو مرحلة ستصبح فيها الطاقة النظيفة إحدى أهم السلع الاستراتيجية، كما كان النفط خلال القرن الماضي، والدول التي تستثمر في هذا القطاع ستكون في موقع بارز لجذب الاستثمارات، وتطوير صناعات جديدة، وتوفير مواطن شغل ذات كفاءة عالية. لكن التحول نحو الاقتصاد الأخضر لا يقتصر على بناء محطات للطاقة الشمسية أو مزارع للرياح، بل يشمل كذلك الصناعة، والفلاحة، والعمران، والنقل، والتعليم، والبحث العلمي، فالمدن الذكية، والبنايات المقتصدة للطاقة، وترشيد استهلاك المياه، كلها أصبحت عناصر أساسية في معادلة التنمية المستدامة.
كما أن القطاع الخاص مدعو إلى لعب دور أكبر في هذا التحول، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، وتطوير حلول مبتكرة لتقليص الانبعاثات، واعتماد معايير الإنتاج المستدام، وهو ما سيعزز تنافسية المؤسسات التونسية في الأسواق الدولية، خاصة مع تزايد اشتراطات البصمة الكربونية في المبادلات التجارية.
ولا يقل دور المواطن أهمية في تحقيق هذا التحول، فثقافة الاقتصاد في استهلاك الطاقة، والاعتماد على التجهيزات ذات النجاعة الطاقية، والمحافظة على الموارد الطبيعية، لم تعد مجرد سلوكيات بيئية، بل أصبحت جزءًا من الأمن الاقتصادي للمجتمعات.
إن موجة الحر التي يعيشها المتوسط اليوم ينبغي ألا تُقرأ فقط باعتبارها ظاهرة مناخية استثنائية، بل باعتبارها رسالة واضحة المعالم، فالعالم يدخل مرحلة جديدة سيكون فيها الاستثمار في التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة والابتكار البيئي من أهم محركات النمو الاقتصادي.
إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على التكيف مع التغير المناخي، بل على تحويله إلى محرك للابتكار والاستثمار وخلق الثروة، عبر التركيز على الطاقة النظيفة كدعامة للاقتصاد، واعتماد السياسات الصديقة للبيئة، فحينها يمكن للعالم أن يحقق معادلة قوامها اقتصاد أكثر تنافسية، وبيئة أكثر استدامة، ومستقبل أكثر أمانا للأجيال القادمة.
هاشم بوعزيز
لم تعد موجات الحر الاستثنائية التي ضربت دول حوض البحر الأبيض المتوسط خلال هذا الصيف مجرد حدث تتناقل تداعياته وسائل التواصل الاجتماعي، بقدر ما تحولت إلى مؤشر واضح على أن العالم دخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز "التغير المناخي"، فما تشهده أوروبا وجنوب المتوسط من درجات حرارة قياسية، وحرائق غابات، وضغوط متزايدة على شبكات الكهرباء والمياه، يؤكد أن تغير المناخ لم يعد تحديا بيئيا فحسب، بل تحول إلى قضية اقتصادية واستراتيجية ستعيد رسم أولويات الدول خلال العقود القادمة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاقتصاد والمناخ أصبحا وجهين لعملة واحدة، فكل ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة ينعكس مباشرة على الإنتاج الفلاحي، واستهلاك الطاقة، والنقل، والسياحة، والصحة، وأسعار الغذاء، ولم يعد السؤال المطروح هو إن كانت آثار التغير المناخي ستؤثر في الاقتصاد، بل كيف يمكن للاقتصادات أن تتأقلم معها، وأن تحول هذا التحدي إلى فرصة للنمو والابتكار.
وفي منطقة المتوسط، التي يصنفها الخبراء ضمن أكثر المناطق هشاشة أمام التغيرات المناخية، تبدو هذه التحولات أكثر وضوحا من أي وقت مضى، فموجات الحر أصبحت أطول وأكثر شدة، والطلب على الكهرباء يرتفع بشكل قياسي نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، بينما تتزايد الضغوط على الموارد المائية والفلاحية، وهذه المعطيات تجعل من السياسات البيئية جزءًا لا يتجزأ من السياسات الاقتصادية.
لقد بدأت الاقتصادات الكبرى تدرك هذه الحقيقة مبكرا، فالاستثمارات في الطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والنقل الكهربائي، وكفاءة استهلاك الطاقة، لم تعد تقدم باعتبارها مبادرات لحماية البيئة فقط، بل أصبحت أدوات لتعزيز الأمن الطاقي، وتقليص التبعية للوقود الأحفوري، وخلق صناعات جديدة ذات قيمة مضافة عالية. لا شكّ أن ما شهدته أوروبا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، أبرز بوضوح أن الاعتماد المفرط على مصادر الطاقة التقليدية لم يعد خيارا آمنا، وأن تنويع مصادر الطاقة أصبح قضية سيادة اقتصادية بامتياز، لذلك تعمل الدول الأوروبية على التوجه نحو استيراد الطاقة النظيفة من دول جنوب المتوسط ومن أهمها تونس.
وفي هذا السياق، تبدو أمام بلادنا فرصة كبرى لتحقيق الاستفادة الاقتصادية والطاقية، فالبلاد تتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس في السنة، إضافة إلى إمكانات مهمة في مجال طاقة الرياح، وهو ما يجعلها من بين الدول المؤهلة لتصبح مركزا إقليميا لإنتاج الكهرباء النظيفة وتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر.
ومن الثابت أن العالم يتجه نحو مرحلة ستصبح فيها الطاقة النظيفة إحدى أهم السلع الاستراتيجية، كما كان النفط خلال القرن الماضي، والدول التي تستثمر في هذا القطاع ستكون في موقع بارز لجذب الاستثمارات، وتطوير صناعات جديدة، وتوفير مواطن شغل ذات كفاءة عالية. لكن التحول نحو الاقتصاد الأخضر لا يقتصر على بناء محطات للطاقة الشمسية أو مزارع للرياح، بل يشمل كذلك الصناعة، والفلاحة، والعمران، والنقل، والتعليم، والبحث العلمي، فالمدن الذكية، والبنايات المقتصدة للطاقة، وترشيد استهلاك المياه، كلها أصبحت عناصر أساسية في معادلة التنمية المستدامة.
كما أن القطاع الخاص مدعو إلى لعب دور أكبر في هذا التحول، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، وتطوير حلول مبتكرة لتقليص الانبعاثات، واعتماد معايير الإنتاج المستدام، وهو ما سيعزز تنافسية المؤسسات التونسية في الأسواق الدولية، خاصة مع تزايد اشتراطات البصمة الكربونية في المبادلات التجارية.
ولا يقل دور المواطن أهمية في تحقيق هذا التحول، فثقافة الاقتصاد في استهلاك الطاقة، والاعتماد على التجهيزات ذات النجاعة الطاقية، والمحافظة على الموارد الطبيعية، لم تعد مجرد سلوكيات بيئية، بل أصبحت جزءًا من الأمن الاقتصادي للمجتمعات.
إن موجة الحر التي يعيشها المتوسط اليوم ينبغي ألا تُقرأ فقط باعتبارها ظاهرة مناخية استثنائية، بل باعتبارها رسالة واضحة المعالم، فالعالم يدخل مرحلة جديدة سيكون فيها الاستثمار في التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة والابتكار البيئي من أهم محركات النمو الاقتصادي.
إن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على التكيف مع التغير المناخي، بل على تحويله إلى محرك للابتكار والاستثمار وخلق الثروة، عبر التركيز على الطاقة النظيفة كدعامة للاقتصاد، واعتماد السياسات الصديقة للبيئة، فحينها يمكن للعالم أن يحقق معادلة قوامها اقتصاد أكثر تنافسية، وبيئة أكثر استدامة، ومستقبل أكثر أمانا للأجيال القادمة.
هاشم بوعزيز