مع الشروق : لعبة المفاوضات بين ترامب وشي

مع الشروق : لعبة المفاوضات بين ترامب وشي

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/14

حين يهبط دونالد ترامب في مطار بكين الدولي، سيكون أول رئيس أمريكي يطأ الأرض الصينية منذ تسع سنوات، والمفارقة أن آخر من فعل ذلك كان ترامب نفسه، في زيارة نوفمبر 2017 التي عاد منها بمئتين وخمسين مليار دولار من الصفقات التجارية المُعلنة، معظمها لم يتحقق، واليوم تبدو الرهانات الماثلة أكبر تأثيرا على المستوى الاقتصادي والجيوسياسي من آخر زيارة، حيث يلتقي الرئيسان وكل منهما يعتقد أنه يمتلك الأوراق الأقوى.
في خضم هذا، لعل السؤال الذي يشغل عواصم العالم في هذه الساعات بالذات ليس عن التجارة ولا عن الصراعات، بل عن التوازن الخفيّ في غرفة المفاوضات، حول مَن يجلس إلى الطاولة من موقع القوة.
شي جين بينغ يدخل القمة وهو مقتنع بأن «الشرق في صعود والغرب في أفول»، وقد تعززت ثقته العام الماضي حين صمد أمام الحرب التجارية الأمريكية غير المسبوقة التي رفعت التعريفات إلى ما يتجاوز 140 بالمئة، ليُجبر ترامب على التراجع مرتين حين لوّح بتقييد صادرات المعادن النادرة في أفريل وأكتوبر 2025. 
في المقابل، ترامب يحتاج إلى انتصار دبلوماسي في الخارج، في ظل تراجع شعبيته في الداخل بسبب المستنقع الإيراني الذي طال أمده أكثر مما توقعت إدارته، وهو ما يجعل بكين في موقع المفاوض الذي يعرف أن الطرف الآخر جاء محتاجا، وهو كسب ثمين في فن التفاوض.
كان من المرتقب أن تُعقد القمة في مطلع أفريل، لكنها تأجلت بسبب حرب إيران التي اندلعت في الثامن والعشرين من فيفري 2026، وها هي تعود الآن محملة بثقل الملف الإيراني الذي يُلقي بظلاله على كل بند في جدول الأعمال. 
فالصين هي الشريك الاقتصادي الأول لطهران، وأكبر مشترٍ لنفطها، وقد تسبب إغلاق مضيق هرمز والحصار الأمريكي المضاد على الموانئ الإيرانية في إيقاف سفن صينية وضرب وارداتها النفطية بشكل حاد، نصفها يمر عبر ذلك المضيق.
لهذا السبب، تجد بكين نفسها في موقف متناقض، فهي تتضرر من الحرب اقتصاديا، لكنها تستثمرها سياسيا، في حين يرى خبراء أن الحرب الإيرانية الممتدة منحت الصين هامش نفوذ إضافي، إذ إن انشغال واشنطن في الشرق الأوسط وتحويلها موارد عسكرية من المحيط الهادئ قد يكون خلق ثغرات استراتيجية يمكن لبكين توظيفها. 
في المقابل، يُشير معهد CSIS إلى أن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين قبيل القمة مباشرة، تُظهر أن الصين تموضعت بالفعل بوصفها من يملك نفوذا على طهران، وبخاصة في ما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، بما يعني أن شي جين بينغ يجلس إلى طاولة المفاوضات حاملا ما يريده ترامب باعتباره مفتاح الضغط على إيران.
من الثابت أن الصورة الكاملة لهذا الأسبوع قد كشفت عن مشهد جيوسياسي بالغ الأهمية، فقبل زيارة ترامب المرتقبة التقى مسؤول إيراني بنظرائه الصينيين في بكين، في انتظار زيارة قريبة للرئيس الروسي بوتين العاصمة الصينية، بما يؤكد أن الصين تُدير ثلاث ملفات عالمية في آن واحد، فهي تتفاوض مع واشنطن، وتتموضع حول إيران، وتستقبل موسكو، في إعلان صيني صريح بأن بكين باتت المحطة التي لا يمكن تجاوزها في أي ملف عالمي.
وسط كل ذلك، يتحول ترامب إلى بكين حاملا في حقيبته ملفا إيرانيا لم يحسمه، وحربا تجارية لم يربحها، ورغبة جامحة في إعلان انتصار دبلوماسي قبل العودة إلى واشنطن، فيما ينتظره شي جين بينغ من موقع المضيف الذي يعرف ثمن كل ما يملك، ولا يبيع بأقل مما يستحق.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك