مع الشروق :تحت الحصار ... الضفة على حافة الانفجار
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/17
تشهد الضفة الغربية لحظة مفصلية تنذر بانفجار وشيك، في ظل ما يمكن وصفه بـ"الضغط الثلاثي" الذي يمارسه الكيان الصهيوني عبر مسارات متوازية من العسكرة المكثفة، وتسريع الاستيطان، والحرمان الاقتصادي الممنهج.
أول أضلاع هذا الضغط يتمثل في العسكرة المتصاعدة، فمنذ اندلاع الحرب في غزة، كثّف جيش الاحتلال الإسرائيلي عملياته في مدن ومخيمات الضفة، خصوصًا في جنين ونابلس وطولكرم.
وباتت الاقتحامات الليلية، وحملات الاعتقال الواسعة، ونصب الحواجز العسكرية الدائمة، جزءًا من المشهد اليومي، وهذا الحضور الأمني الكثيف لا يهدف فقط إلى ملاحقة مجموعات مسلحة، بل يكرّس واقعًا من السيطرة الميدانية الشاملة، ويقوّض قدرة السلطة الفلسطينية على فرض نفوذها في مناطق يفترض أنها تخضع لسيطرتها الإدارية والأمنية ومع تزايد أعداد الضحايا والاعتقالات، تتآكل الثقة بأي أفق سياسي، ويترسخ الشعور بأن الضفة تُدار بعقلية أمنية صِرفة.
الضلع الثاني يتمثل في تسريع الاستيطان وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للضفة، فقد صادقت حكومة الاحتلال مؤخرًا على قرار قدّمه وزراء المالية بتسلئيل سموتريتش والعدل ياريف ليفين والدفاع يسرائيل كاتس، يسمح ببدء الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية عبر تسجيلها كـ"أملاك دولة"، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1967.
هذه الخطوة ليست إجراءً بيروقراطيًا عابرًا، بل تمثل تحولًا استراتيجيًا يفتح الباب أمام توسيع المستوطنات وربطها ببعضها البعض، بما يعمّق تفتيت الأراضي الفلسطينية ويقضي عمليًا على إمكانية قيام دولة متصلة جغرافيًا.
ويمنح تسجيل الأراضي كـ"أملاك دولة" حكومة الاحتلال غطاءً قانونيًا داخليًا لتوسيع السيطرة، لكنه في الوقت نفسه يفاقم الاحتقان الشعبي، فالأرض ليست مجرد مورد اقتصادي، بل تمثل عنصرًا مركزيًا في الهوية الوطنية الفلسطينية.
ومع كل إعلان عن بؤرة استيطانية جديدة أو مصادرة أراضٍ زراعية، تتزايد مشاعر الغضب والإحباط، خصوصًا في القرى المحاذية للمستوطنات، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين تحت حماية عصابات جيش الاحتلال.
أما الضلع الثالث فهو الحرمان الاقتصادي الممنهج، فقد عمد الاحتلال إلى اقتطاع أموال "المقاصة" التي تشكل العمود الفقري لموازنة السلطة الفلسطينية، ما أدخلها في أزمة مالية خانقة، إذ تأخرت رواتب الموظفين، وتراجعت قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المحلي من ركود حاد نتيجة القيود على الحركة والتجارة.
وهذا الخنق المالي لا يضعف السلطة الفلسطينية فحسب، بل يضرب الطبقة الوسطى الفلسطينية ويزيد معدلات البطالة والفقر، ما يخلق بيئة خصبة للانفجار الاجتماعي.
هذا الضغط الاقتصادي يتكامل مع القيود الأمنية، حيث تعيق الحواجز العسكرية حركة العمال والتجار، وتحدّ من وصول المزارعين إلى أراضيهم، ما يضاعف الخسائر، في ظل هذا الواقع، تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن مواجهة التحركات الصهيونية أو حتى امتصاص الغضب الشعبي المتصاعد، فضعف الموارد وتآكل الشرعية الداخلية يضعانها في موقع دفاعي هش.
الخطورة في "الضغط الثلاثي" تكمن في تزامنه وتكامله، فالعسكرة تولّد احتكاكًا يوميًا، والاستيطان يغيّر الوقائع على الأرض، والحرمان الاقتصادي يخنق المجتمع من الداخل، ومع غياب أفق سياسي حقيقي، تتراكم عوامل الانفجار تدريجيًا.
الضفة الغربية اليوم ليست فقط ساحة توتر أمني، بل برميل بارود اجتماعي واقتصادي، قد تشتعل شرارته من حادثة ميدانية محدودة، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى موجة اضطرابات واسعة.
إن استمرار هذا النهج يهدد بانهيار ما تبقى من معادلة "إدارة الصراع"، ويدفع نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، لا تقتصر تداعياتها على الضفة وحدها، بل تمتد إلى المشهد الإقليمي برمته.
وفي ظل انسداد الأفق السياسي، وخروج الاحتلال عن كل أنواع السطيرة، تبدو الضفة الغربية بالفعل على أبواب انفجار، قد يعيد رسم معادلات القوة والتوازن في الساحة الفلسطينية والصهيونية على حد سواء.
بدرالدّين السّيّاري
تشهد الضفة الغربية لحظة مفصلية تنذر بانفجار وشيك، في ظل ما يمكن وصفه بـ"الضغط الثلاثي" الذي يمارسه الكيان الصهيوني عبر مسارات متوازية من العسكرة المكثفة، وتسريع الاستيطان، والحرمان الاقتصادي الممنهج.
أول أضلاع هذا الضغط يتمثل في العسكرة المتصاعدة، فمنذ اندلاع الحرب في غزة، كثّف جيش الاحتلال الإسرائيلي عملياته في مدن ومخيمات الضفة، خصوصًا في جنين ونابلس وطولكرم.
وباتت الاقتحامات الليلية، وحملات الاعتقال الواسعة، ونصب الحواجز العسكرية الدائمة، جزءًا من المشهد اليومي، وهذا الحضور الأمني الكثيف لا يهدف فقط إلى ملاحقة مجموعات مسلحة، بل يكرّس واقعًا من السيطرة الميدانية الشاملة، ويقوّض قدرة السلطة الفلسطينية على فرض نفوذها في مناطق يفترض أنها تخضع لسيطرتها الإدارية والأمنية ومع تزايد أعداد الضحايا والاعتقالات، تتآكل الثقة بأي أفق سياسي، ويترسخ الشعور بأن الضفة تُدار بعقلية أمنية صِرفة.
الضلع الثاني يتمثل في تسريع الاستيطان وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للضفة، فقد صادقت حكومة الاحتلال مؤخرًا على قرار قدّمه وزراء المالية بتسلئيل سموتريتش والعدل ياريف ليفين والدفاع يسرائيل كاتس، يسمح ببدء الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية عبر تسجيلها كـ"أملاك دولة"، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1967.
هذه الخطوة ليست إجراءً بيروقراطيًا عابرًا، بل تمثل تحولًا استراتيجيًا يفتح الباب أمام توسيع المستوطنات وربطها ببعضها البعض، بما يعمّق تفتيت الأراضي الفلسطينية ويقضي عمليًا على إمكانية قيام دولة متصلة جغرافيًا.
ويمنح تسجيل الأراضي كـ"أملاك دولة" حكومة الاحتلال غطاءً قانونيًا داخليًا لتوسيع السيطرة، لكنه في الوقت نفسه يفاقم الاحتقان الشعبي، فالأرض ليست مجرد مورد اقتصادي، بل تمثل عنصرًا مركزيًا في الهوية الوطنية الفلسطينية.
ومع كل إعلان عن بؤرة استيطانية جديدة أو مصادرة أراضٍ زراعية، تتزايد مشاعر الغضب والإحباط، خصوصًا في القرى المحاذية للمستوطنات، حيث تتصاعد اعتداءات المستوطنين تحت حماية عصابات جيش الاحتلال.
أما الضلع الثالث فهو الحرمان الاقتصادي الممنهج، فقد عمد الاحتلال إلى اقتطاع أموال "المقاصة" التي تشكل العمود الفقري لموازنة السلطة الفلسطينية، ما أدخلها في أزمة مالية خانقة، إذ تأخرت رواتب الموظفين، وتراجعت قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المحلي من ركود حاد نتيجة القيود على الحركة والتجارة.
وهذا الخنق المالي لا يضعف السلطة الفلسطينية فحسب، بل يضرب الطبقة الوسطى الفلسطينية ويزيد معدلات البطالة والفقر، ما يخلق بيئة خصبة للانفجار الاجتماعي.
هذا الضغط الاقتصادي يتكامل مع القيود الأمنية، حيث تعيق الحواجز العسكرية حركة العمال والتجار، وتحدّ من وصول المزارعين إلى أراضيهم، ما يضاعف الخسائر، في ظل هذا الواقع، تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن مواجهة التحركات الصهيونية أو حتى امتصاص الغضب الشعبي المتصاعد، فضعف الموارد وتآكل الشرعية الداخلية يضعانها في موقع دفاعي هش.
الخطورة في "الضغط الثلاثي" تكمن في تزامنه وتكامله، فالعسكرة تولّد احتكاكًا يوميًا، والاستيطان يغيّر الوقائع على الأرض، والحرمان الاقتصادي يخنق المجتمع من الداخل، ومع غياب أفق سياسي حقيقي، تتراكم عوامل الانفجار تدريجيًا.
الضفة الغربية اليوم ليست فقط ساحة توتر أمني، بل برميل بارود اجتماعي واقتصادي، قد تشتعل شرارته من حادثة ميدانية محدودة، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى موجة اضطرابات واسعة.
إن استمرار هذا النهج يهدد بانهيار ما تبقى من معادلة "إدارة الصراع"، ويدفع نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، لا تقتصر تداعياتها على الضفة وحدها، بل تمتد إلى المشهد الإقليمي برمته.
وفي ظل انسداد الأفق السياسي، وخروج الاحتلال عن كل أنواع السطيرة، تبدو الضفة الغربية بالفعل على أبواب انفجار، قد يعيد رسم معادلات القوة والتوازن في الساحة الفلسطينية والصهيونية على حد سواء.
بدرالدّين السّيّاري