مع الشروق : أوروبا تنتفض على الكيان... والعرب يهرولون إلى التطبيع!

مع الشروق : أوروبا تنتفض على الكيان... والعرب يهرولون إلى التطبيع!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/16

يوما بعد يوم تزداد عزلة الكيان الصهيوني ويشتد ّالخناق حوله وسوف لن تتوقف ديناميكية عزل هذا الكيان العنصري المجرم حتى يتحوّل إلى كيان منبوذ من كل الشعوب، محاصر من كل الدول.
الدول الأوروبية دأبت حتى«طوفان الأقصى» على اعتبار الكيان «طفلها» المدلل. ولم تتوقّف عن دعمه بالأموال الطائلة وبالغطاء السياسي اللامحدود.. وهي مع الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر الشريان الذي أمد دولة الكيان بكل أسباب الحياة.. بل بكل أسباب القوة والغطرسة.. وبكل أسباب التمدّد والتمطط على حساب الشعب الفلسطيني الصابر المناضل وعلى حساب الدول العربية والاسلامية حيث امتدت شرور هذا الكيان الدخيل من الشرق الأوسط وحتى إيران.. ولا يزال الصهاينة يتطلعون إلى ما أبعد من ذلك لتصبح تركيا وباكستان في مرمى الوحش الصهيوني المتعطش إلى المزيد من دماء العرب والمسلمين وصولا لإقامة ما يسمى «إسرائيل الكبرى».. ووصولا إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال السعي إلى ترويض كامل الاقليم واخضاعه  للغول الصهيوني بعد اضعافه وتفتيت دوله وإخضاعه إلى مشرط «التقسيم وإعادة التشكيل».
لكن الدعم الأوروبي والأمريكي اللامحدود واللامشروط دخل الآن منعرج الزوال.. حيث جاء «طوفان الأقصى» وما تبعه من حرب إبادة ومن امعان صهيوني في تقتيل البشر وتدمير الحجر والشجر ليكشف الطبيعة العنصرية والارهابية لهذا الكيان.. الذي لطالما تغنى الغرب بأنه «واحة للديمقراطية  وسط غابة من الوحوش».. وبأنه بمثابة الزهرة التي نبتت في «رمال الصحراء» على قول السيدة أورسولا فون دير لاين مفوضة الاتحاد الأوروبي بمناسبة الذكرى 75 لزرع هذا الكيان في قلب الوطن العربي وعلى حساب شعب ذنبه الوحيد أنه وجد في مرمى أطماع المشروع الصهيوني والمشروع الغربي لتقسيم خارطة الوطن العربي ولايجاد قاعدة متقدمة تحول دون توحد الأمة العربية.
ولعل أكبر شاهد على زوال الغشاوة عن عيون شعوب أوروبا وأمريكا (وكل شعوب العالم) هو تلك المظاهرات الصاخبة وتلك الحشود الغاضبة وتلك المليونيات التي عمت شوارع وساحات أوروبا وأمريكا والعالم نصرة لفلسطين ودعما لحريتها ولحرية شعبها وتنديدا بحرب الابادة التي يشنها الصهاينة في حقّ شعب أعزل. هذه الصحوة التي عمّت العالم أفضت إلى تحرير شعوبه من هيمنة وسطوة اللوبي الصهيوني المتحكم في آلة الاعلام والمال وبالتالي في آليات صنع السياسة وتشكيل الحكومات في الغرب.. وبذلك يكون الشعب الفلسطيني الذي يرزح منذ 78 عاما تحت احتلال بغيض هو من حرّر العالم من قبضة الصهيونية العالمية. وهو من فتح عيونه على الوجه العنصري القبيح لهذا الكيان الذي قام بالدم والقتل ويستمر بالدم والقتل والذي بلغ درجة من التوحش فاقت في بشاعتها كل ما حفظه التاريخ البشري من أخبار الطغاة والجبابرة.
وحين يتحرّر العالم فإن الألسنة تنطلق مدينة ومندّدة وصادحة بالحقيقة.. وتتبعها الاجراءات والخطوات الملموسة. وأوضح مثال على هذا المنحى التاريخي الذي تأخذه علاقات الكيان بالمحيط الدولي وحتى بحلفاء الأمس وبمن يقفون وراء وجوده هو الاجراءات التي اتخذتها بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية بمقاطعة منتوجات المستوطنات الصهيونية في سياق ضغطها على الكيان الصهيوني وهي اجراءات وصلت حد معاقبة منتهكي هذا القرار بعشر سنوات سجنا.. وهذه خطوة وإن كانت تكتسي طابعا رمزيا كون الكيان يستحق عقوبات أكثر شدة وايلاما لتردعه عن سياساته العنصرية وعربدته في القطاع والضفة إلا أنها تبقى خطوة مهمة لكونها تشكّل منعرجا حاسما في علاقة أوروبا بالكيان ولكونها تشكل سابقة يمكن الاقتداء بها والبناء عليها لمزيد الضغط على هذا الكيان الذي تنكّر حتى لقرار انشائه وبات يسعى إلى تهويد كامل فلسطين التاريخية وإلى احتلال أراضي 8 دول عربية لإقامة ما يسمى «إسرائيل الكبرى».
أبعد من مفعول هذه الخطوة ومن مفعول هذه العقوبات فإنه يجب الوقوف عند رمزية هذه الاجراءات. فهي تؤسس لأسلوب تعامل جديد مع الكيان الصهيوني. أسلوب سوف يزداد تجذرا ليزيد في عزلة هذا الكيان ويجبره على التخلي عن كل أوهامه التي تزين له السيطرة على كامل المنطقة العربية وصولا إلى باكستان ومرورا بتركيا وإيران.
لكن وسط كل هذا تبقى مفارقة عجيبة.. ففي حين تضج أمريكا بالكيان وتنتفض أوروبا وتفرض عليه اجراءات عقابية يواصل بعض العرب السباحة في بحار التطبيع ويواصل البعض الآخر الهرولة إلى «الاتفاقيات الابراهيمية» المسمومة.. ويواصل هؤلاء وأولئك دعم الكيان الغاصب بالمواد الغذائية وبكل أسباب الغطرسة والقوة ليواصل التنكيل بأشقائنا الفلسطينيين.
إنه خزي ما بعده خزي وعار ما بعده عار.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك