«ملك البوب» في حضرة الأوركسترا.. ليلة تونسية على إيقاع مايكل جاكسون

«ملك البوب» في حضرة الأوركسترا.. ليلة تونسية على إيقاع مايكل جاكسون

تاريخ النشر : 08:04 - 2026/10/30

بعد ثلاثين عاما من الحفل التاريخي الذي أحياه مايكل جاكسون بالملعب الأولمبي بالمنزه، عادت موسيقى «ملك البوب» لتملأ فضاء مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، مساء الخميس 29 أكتوبر 2026، من خلال عرض «Tribute to Michael Jackson» الذي أمنه الأوركسترا السمفوني التونسي بقيادة شادي القرفي، في سهرة جمعت بين الذاكرة الموسيقية والفرجة الركحية، واستقطبت جمهورا غصت به القاعة من مختلف الأعمار.

لم يكن اختيار أعمال مايكل جاكسون مجرد استعادة لمجموعة من الأغاني الشهيرة، بل كان محاولة لإعادة قراءتها موسيقيا من خلال إمكانات الأوركسترا السمفوني، مع المحافظة على خصوصيتها التي جعلت منها جزءا من الذاكرة الموسيقية العالمية. وهي الفكرة التي تحدث عنها شادي القرفي في تصريح لـ«الشروق»، موضحا أن المشروع انبثق خلال الإعداد للموسم الثقافي للأوركسترا السمفوني التونسي، الذي انطلق التفكير في برمجته منذ شهر جويلية الماضي، قبل أن تستقر الفكرة على إنجاز تحية موسيقية لمايكل جاكسون.

ويعتبر القرفي أن التجربة جديدة على مستوى الأوركسترا السمفوني التونسي، بل إنها، وفق تقديره، من التجارب النادرة عالميا، إذ لم تقدم الأوركسترات السمفونية، بحسب علمه، أعمال مايكل جاكسون في هذا الشكل إلا في مناسبات محدودة. وقد جاء المشروع ليجمع بين عالم الموسيقى السمفونية والأغاني التي صنعت شهرة الفنان الأمريكي، من خلال توزيعات أوركسترالية جديدة.

وفي تفسيره للمعالجة الموسيقية المعتمدة، شدد شادي القرفي على أن التحدي لم يكن في تغيير أعمال مايكل جاكسون أو إعادة صياغة ألحانها، بل في المحافظة على أمانة العمل الأصلي وإضافة أبعاد جديدة إليه عبر الكتابة للأوركسترا. وأوضح أن التوزيع الأوركسترالي يمثل بالنسبة إليه نوعا من الإثراء والتزيين الموسيقي، دون المساس بالمقدمة أو اللحن الرئيسي أو البنية الأساسية للأغنية. فالأعمال التي صنعت المسيرة الأسطورية لمايكل جاكسون لا تحتاج، في نظره، إلى تغيير، وإنما إلى معالجة تحترم خصوصيتها وتكشف في الوقت نفسه عن إمكانات جديدة في تقديمها.

وهذا الاختيار الفني كان من أبرز عناصر العرض، إذ نجح الأوركسترا السمفوني التونسي في تقديم توزيعات ثرية ومحكمة، جمعت بين قوة الآلات السمفونية والإيقاعات المعروفة في موسيقى مايكل جاكسون، دون أن تفقد الأغاني ملامحها الأصلية. وقد افتتحت السهرة بالمعزوفة الأوركسترالية الشهيرة لأغنية «Thriller»، التي أطلقت شرارة الحماس في القاعة، لتتوالى بعدها مجموعة من الأعمال التي طبعت مسيرة الفنان، من بينها «Smooth Criminal» و«Heal the World» و«Billie Jean» و«Black or White» و«Man in the Mirror» و«Dirty Diana» و«Beat It».

ولم يقتصر المشروع على الجانب الموسيقي، فقد اختار القرفي تشريك أصوات تونسية شابة لتأمين الفقرات الغنائية، وهي دالي إم جي (Dali MJ) ورابعة بن عمار وفرح الزريبي. واعتبر أن تشجيع هذه المواهب يندرج ضمن مسؤولية المؤسسة العمومية في إتاحة الفرصة أمام الفنانين الشبان للوقوف على خشبة مسرح الأوبرا وتقديم أعمالهم أمام جمهور واسع. وقد تباينت مستويات الأداء خلال السهرة، بين لحظات موفقة نجح فيها الفنانون في استحضار روح الأغاني والتفاعل مع خصوصياتها، وأخرى بدا فيها بعض الارتباك والتفاوت في التحكم في المتطلبات الصوتية والتعبيرية لأعمال ارتبطت بأداء مايكل جاكسون الاستثنائي.

أما على مستوى الإخراج الركحي، فقد رافقت الفقرات الموسيقية لوحات راقصة أمنها بالي سهام بالخوجة، أضفت على العرض حركية وبعدا استعراضيا، واستحضرت جانبا من الهوية البصرية التي ميزت حفلات مايكل جاكسون. كما شهدت السهرة لحظات فنية مشتركة من خلال أغنيتي «Earth Song» و«Bad»، قبل أن تختتم بأغنية «We Are the World» التي جمعت أصوات الفنانين الثلاثة في مشهد غنائي مؤثر، تفاعل معه الجمهور بالتصفيق والغناء الجماعي، وسط أضواء الهواتف التي ملأت القاعة.

عمل جماعي بسواعد تونسية

ومن النقاط التي توقف عندها شادي القرفي في تصريحه لـ«الشروق» البعد الجماعي للمشروع، رافضا اختزال نجاحه في شخصه أو في الأوركسترا السمفوني وحده. وأكد أن العرض هو ثمرة عمل جماعي ساهمت فيه مختلف مكونات مسرح الأوبرا، من الإدارة العامة والفرق الإدارية والفنية إلى العناصر اللوجستية، معتبرا أن إنجاز حفل بهذا الحجم يتطلب تضافر جهود الجميع، وأنه يمثل «انتصارا لينا الكل بسواعد تونسية».

كما أشار إلى أن الإقبال الجماهيري الكبير وبلوغ الحفل طاقة الاستيعاب القصوى للقاعة يمثلان مكسبا جماعيا، خاصة في ظل الإقبال الذي عرفته عروض الأوركسترا السمفوني التونسي خلال الموسم الثقافي السابق. وهو ما يعكس، وفق هذا التوجه، أهمية الرهان على مشاريع موسيقية قادرة على استقطاب جمهور متنوع، دون التخلي عن الخصوصية الفنية للفرقة.

ولم يخف القرفي، في حديثه، حجم المسؤولية التي تفرضها قيادة الأوركسترا السمفوني التونسي، باعتباره من أعرق الفرق الموسيقية في تونس، مشددا على ضرورة المحافظة على مكانته وتقاليده الموسيقية، وضمان استمرارية حضوره في المشهد الثقافي. وهي مسؤولية تتجاوز تقديم الحفلات إلى صيانة رصيد موسيقي ومؤسساتي راكمته تونس عبر عقود من الممارسة الفنية.

بين الذاكرة والتجديد

وتكتسب هذه السهرة دلالة إضافية من ارتباطها بالذكرى الثلاثين لحفل مايكل جاكسون التاريخي بتونس يوم 7 أكتوبر 1996، ضمن جولته العالمية «HIStory World Tour»، وهو الموعد الذي ما زال حاضرا في ذاكرة أجيال من التونسيين. وبعد ثلاثة عقود، تعود أغاني الفنان الراحل إلى الجمهور التونسي في صيغة مختلفة، تتقاطع فيها الذاكرة مع التجديد الموسيقي.

وفي المحصلة، قدم الأوركسترا السمفوني التونسي بقيادة شادي القرفي تجربة تقوم على إعادة اكتشاف أعمال موسيقية راسخة من خلال المعالجة السمفونية، وكان التوزيع الأوركسترالي والإخراج الركحي أبرز نقاط قوتها، في حين ظل تفاوت الأداء الغنائي أحد الجوانب التي حالت دون بلوغ العرض درجة أعلى من التكامل. ومع ذلك، فإن الحفل يطرح إمكانات جديدة أمام المؤسسات الموسيقية التونسية لتوسيع جمهور الموسيقى السمفونية، والانفتاح على تجارب موسيقية عالمية، مع إتاحة مساحة أكبر للمواهب التونسية الشابة.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

في أجواء احتفالية تنبض بالحياة، وتفيض بمشاعر الفرح والاعتزاز بالهوية المحلية، عاشت مدينة العين عل
07:00 - 2026/10/30
ليس استهداف متحف اللوفر، بما يمثله من قيمة فنية وحضارية، مجرد اعتداء على مكان يحتضن ذاكرة الإنسان
07:00 - 2026/10/30
 واكبت شركة إل جي للإلكترونيات المواهب الشابة القادمة من 185 دولة، خلال المسابقة الدولية للروبوتا
07:00 - 2026/10/30
كيف يمكن لنا أن نمنح أبناءنا الثقة في الحبّ وندفعهم إليه، ونحن نشكو من أعطاب كثيرة وجروح، وإن الت
07:00 - 2026/10/29
ذكّرني بكاء الكاتب الجزائريّ، أمام الكراسي الفارغة في حفل توقيع كتابه، بقصيدة الشّاعر ‹أمل دنقل›
07:00 - 2026/10/29
1-قُلْ لِي مَا طَعْمُ الحِنْطَةِ / لَوْنُ الـمَاءِ وَمَا تَسِقُ الحَارَاتُ هُنَا
07:00 - 2026/10/29
أحلم برفرفة الطّير على الغصن بشقائق النعمان في الحقل بهفهفة النسيم في الصبح
07:00 - 2026/10/29