من يريد نهاية الصحافة الورقية؟

من يريد نهاية الصحافة الورقية؟

تاريخ النشر : 13:46 - 2020/04/13

الصحافة الورقية التونسية لها تاريخ طويل عريق مع النضال بكل أنواعه، والوقوف الى جانب كل قضايا الحق  العادلة وطنيا ودُوليا، وتحمّل ومجابهة الأزمات بمختلف اشكالها.
ولقد أسهمت  الصحافة التونسية  المكتوبة والتي وُلدت من نَفَس الوعي الإصلاحي الوطني المتصاعد  في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في  كل المعارك الكبرى التي خاضها الشعب التونسي وكانت دوما في الطليعة، سواء لاسترداد السيادة الوطنية المسلوبة، أو لبناء الدولة الحديثة، أو لمحاربة مظاهر اليأس والتخلف، أو لإنجاح ثورة الحرية والديمقراطية. ولم تتمكّن ايّ حادثة مهما عظمت، ولا كارثة مهما كبُر شانها ان تمنع صحافتنا المكتوبة من القيام بدورها الحيوي في إعلام التونسيين.
ولو بحثنا في ذاكرة صحافتنا التي تجاوز عمرها القرن ونصف القرن من الزمن، لما وجدنا صحيفة مكتوبة واحدة، يومية كانت ام أسبوعية ام شهرية،  توقّفت عن الصدور. اللهم كان ذلك بفعل فاعل او بقرار فوقي من السلطة القائمة ، اجنبية  كانت ام وطنية.
غير أنه، وبسبب ظهور فيروس كورونا   تغيب الصحف الورقية وصحفنا الثلاثة (الشروق ولوكوتديان والأنوار) عن الظهور في الأسواق ويُحرم من تصفحها ومطالعتها مواطنونا في كل جهات البلاد.
من اتخذ قرار منع صدور صحفنا المكتوبة؟ لا أحد. بل انه لا يوجد أصلا قرار   يفرض حظر صدور الصحف، وهو، ظاهريا ما يبرّئ ساحة السلطة ممثلة في رئيس الحكومة.
إذن،رئيس الحكومة لم يتّخذ قرارا مباشرا يمنع صدور الصحف المكتوبة، ولكن حكومته كأنّها فعلت حين قررت غلق كل محلات بيع الصحف من أكشاك، ومكتبات، ومقاهٍ، وحوانيت الفواكه الجافّة، وكلها نقاط تعرض وتبيع صحفنا المكتوبة. فأين إذن ستوزّع  الصحف وتُباع إذا كانت كل هذه المحلات مغلقة بقرار رسمي؟ 
لم نسمع باي دولة واحدة بمن فيها تلك التي تعرف تفشيا كبيرا لفيروس كورونا مثل فرنسا أو ألمانيا او إنجلترا أو الولايات المتحدة، منعت فتح أكشاك بيع الجرائد وتسببت، بذلك، في تعطيل أو إيقاف صدور الصحف الورقية.الا في في بلادنا التونسية، أرض ميلاد الديمقراطية وحرية التعبير في جنوب المتوسط. فأيّ ديمقراطية والصحافة لا تُطبع ولا تُوزّع ولا تُقرأ؟
هناك من يدّعي  ان الاهم اليوم لشعبنا هو ضمان حاجياته الأساسية من علاج واكل وشرب. لذلك سمحت الحكومة بفتح  الصيدليات ومحلات بيع المواد الاستهلاكية دون سواها. وهذا، طبعا، خطأ سياسي فادح يعتمد على حجّة زائفة، لان الإعلام، وبخاصة قراءة الصحف، امر أساسي في الديمقراطيات تماما مثل التداوي والأكل والشرب، وهو ليس أبداً  من الكماليات. ولمن تهمّه المعلومة نشير هنا الى ان الحكومة البلجيكية أصدت مرسوما يصنّف الصحافة  الورقية ضمن المواد الأساسية ويأذن بفتح الأكشاك لضمان  توزيعها وبيعها.
وهناك إشاعة كاذبة - ككل الإشاعات - تدعي ان ورق الصحف حمّال لفيروس كورونا.فلو كان ذلك صحيح لسمعنا به من عند الدول التي لم تنقطع فيها الصحف عن الصدور ومنها فرنسا واسبانيا وبلجيكيا اكثر الدول تضررا بجائحة كورونا.
والحقيقة انه لا توجد واسطة  أخرى مثل الصحافة الورقية قادرة ان تلعب الدور الذي تضطلع به لتقديم المعلومة الموثوقة والثابتة وذات مصداقية.
والحقيقة كذلك ان حاجة الناس لمثل هذه المعلومة لم تكن  كبيرة وملحّة كما هي اليوم بسبب انتشار الشائعات  والأخبار الكاذبة المضللة.
والحقيقة اخيرا ان وضع الصحافة المكتوبة لم يصل، في كامل تاريخ البلاد، الى مثل هذا  الحدّ من المصاعب التي أصبحت تهدد وجوده. فإلى اشكالية تراجع القراء في ظل توسّع الشبكات الاجتماعية وتدنيّ المستوى الثقافي العام،ينضاف  تقلّص حجم الإشهار الذي يمثّل نصف دخل الجرائد، وها نحن نعيش الأشكال الأكبر: عدم الصدور والغياب في الأسواق. 
انه تحدٍ كبير وخطير ليس للصحافة الورقية وحسب، و لكن، ومن وراء ذلك، لتجربتنا الديمقراطية الناشئة، لمشروعنا المجتمعي التقدمي، لتاريخنا، لصورتنا وسمعتنا بين الدول.
سيادة رئيس الحكومة،لا تتحملوا مسؤولية نهاية الصحافة الورقية، فالتاريخ لن يغفر لكم ذلك.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

في 13 أوت، لا أكتب عن المرأة التونسية من باب المجاملة، ولا أقدم لها كلمات تنتهي بانتهاء المناسبة.
07:00 - 2026/08/14
"كتبتُ، كتبتُ.. فلم يبق حرفُ. وصفتُ، وصفتُ.. فلم يبق وصفُ
07:00 - 2026/08/14
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
07:00 - 2026/08/14
«مليون عين فقأت..سيكفي..ويكفي لترجع من موتنا ملكا فوق عرش الزّمان الجديد»*
07:00 - 2026/08/12
لن تكون هذه آخر مرة ، يلعب فيها الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» لعبته البدائية ، والوصول بالتهديد
07:00 - 2026/08/10
«إنه ليس ثأرك وحدك/لكنه ثأر جيل فجيل/وغدا.. سوف يولد من يلبس الدرع كاملة،/يوقد النار
07:00 - 2026/08/10
طالعت باهتمام الحوار الذي خصّته د. جليلة طريطر الصّادر يوم 6 اوت 2026 بجريدة الشروق.
07:00 - 2026/08/10
تعلّق البشر منذ القدم بترويض الجسم على ممارسته ألعاب أو رياضات وذلك إما للدفاع عن النفس أو بقصد ا
07:00 - 2026/08/10