هجرة الكفاءات التونسية: من انتقال الأفراد إلى استنزاف رأس المال البشري

هجرة الكفاءات التونسية: من انتقال الأفراد إلى استنزاف رأس المال البشري

تاريخ النشر : 15:54 - 2026/09/28

تُعدّ هجرة الكفاءات من أبرز التحولات التي شهدها المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بالنظر إلى تزايد عدد التونسيين ذوي التكوين العلمي والمهني الذين اختاروا مواصلة مساراتهم خارج البلاد، وإنما كذلك بالنظر إلى اتساع المجالات التي شملتها هذه الظاهرة.
فبعد أن ارتبط النقاش حول الهجرة أساسًا بهجرة اليد العاملة، أصبح من الممكن اليوم الحديث عن ظاهرة أكثر تركيبًا، تشمل الأطباء والمهندسين والباحثين وأصحاب الاختصاصات البيولوجية والمحامين والأساتذة الجامعيين، كما امتدت في السنوات الأخيرة إلى المجال الرياضي، حيث أصبح بعض الرياضيين التونسيين يشاركون في المنافسات الدولية تحت رايات دول أخرى.
ومن ثم، لم تعد هجرة الكفاءات مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة برغبة الفرد في تحسين ظروف عيشه أو تطوير مساره المهني، بل أصبحت قضية تتصل مباشرة بمستقبل رأس المال البشري وبقدرة الدولة على المحافظة على المعرفة والخبرة المتراكمة داخل مؤسساتها.
أولًا: اتساع دائرة هجرة الكفاءات
تكشف خريطة الهجرة التونسية الحديثة عن تنوع متزايد في الفئات المهنية والعلمية التي تغادر البلاد.
ففي المجال الطبي، أصبحت الكفاءات التونسية حاضرة بصورة واضحة في عدد من المنظومات الصحية الأجنبية، ولا سيما في أوروبا. كما برز أطباء تونسيون في مواقع مهنية وتنظيمية داخل الهيئات الطبية الأجنبية، بما يعكس مستوى التكوين الذي تلقوه داخل تونس وقدرتهم على الاندماج في أنظمة صحية ومهنية مختلفة.
وتشمل الظاهرة كذلك المهندسين، بما في ذلك أصحاب الاختصاصات الدقيقة والتكنولوجية، إضافة إلى الباحثين وأصحاب الاختصاصات البيولوجية والعلمية التي تتطلب سنوات طويلة من التكوين والتخصص.
كما امتدت إلى المجال القانوني، حيث اختار عدد من المحامين التونسيين الالتحاق ببلدان أوروبية وكندا والولايات المتحدة، سواء لمواصلة مساراتهم المهنية أو الأكاديمية أو لإعادة بناء مستقبل مهني في بيئات قانونية مختلفة.
أما في المجال الرياضي، فقد اتخذت الظاهرة شكلًا مختلفًا نسبيًا. فإلى جانب الاحتراف الرياضي التقليدي، أصبح بعض الرياضيين التونسيين يشاركون في مسابقات ومناسبات دولية تحت رايات دول أخرى، وهو ما يطرح بدوره مسألة انتقال جزء من رأس المال البشري والرياضي الوطني إلى منظومات أجنبية.
وبذلك، لم تعد الهجرة مقتصرة على اختصاص أو فئة اجتماعية محددة، وإنما أصبحت تشمل قطاعات متعددة من المجتمع، الأمر الذي يستوجب التعامل معها بوصفها ظاهرة هيكلية تستحق الدراسة.
ثانيًا: الكلفة غير المباشرة لتكوين الكفاءة
إن أهم ما يميز هجرة الكفاءات عن الهجرة العادية هو طبيعة الاستثمار الذي يسبق تكوين الفرد.
فالطبيب لا يصبح طبيبًا بمجرد حصوله على شهادة جامعية، والمهندس لا يكتسب كفاءته بمجرد التخرج، كما أن الباحث والمحامي والأستاذ الجامعي يحتاجون إلى سنوات طويلة من التعليم والتخصص والتكوين والممارسة.
ويعني ذلك أن الدولة والمجتمع يستثمران، بصورة مباشرة وغير مباشرة، في تكوين الفرد منذ مراحل التعليم الأولى وصولًا إلى التخصص المهني.
وعندما يغادر صاحب الكفاءة إلى الخارج، فإن البلد المضيف يستفيد من نتائج جزء كبير من هذا الاستثمار، في حين تتحمل الدولة الأصلية جانبًا مهمًا من كلفة التكوين.
غير أن المسألة لا تختزل في الكلفة المالية وحدها.
فالكفاءة المهنية تمثل أيضًا تراكمًا للمعرفة والخبرة والممارسة والعلاقات المهنية والقدرة على التأطير والتكوين.
ومن ثم، فإن مغادرة الكفاءة لا تعني فقدان شخص يشغل وظيفة فحسب، وإنما قد تعني فقدان خبرة كان من الممكن أن تنتقل إلى أجيال أخرى.
ثالثًا: إشكالية تعويض الكفاءات
قد يبدو في الظاهر أن مغادرة طبيب أو مهندس أو أستاذ يمكن تعويضها بانتداب شخص آخر في الاختصاص نفسه.
غير أن التعويض العددي لا يعني بالضرورة التعويض النوعي.
فالشهادة يمكن أن تعوض شهادة، والمنصب يمكن أن يعوض بمنصب، ولكن الخبرة المتراكمة لا يمكن إنتاجها بالسرعة نفسها.
فالجيل الجديد من الكفاءات يحتاج إلى سنوات من الممارسة والتأطير والتكوين حتى يصل إلى المستوى المهني الذي بلغته الأجيال السابقة.
ومن هنا تظهر إحدى أهم النتائج غير المباشرة لهجرة الكفاءات: احتمال إضعاف عملية انتقال المعرفة بين الأجيال.
فالمؤسسات لا تعتمد فقط على الموظفين الموجودين فيها، وإنما تعتمد أيضًا على قدرتهم على نقل الخبرة إلى من سيخلفهم.
وعندما تتسارع مغادرة أصحاب الخبرة، قد تجد المؤسسات نفسها أمام أجيال جديدة تمتلك التكوين الأساسي، لكنها لم تتح لها بعد الفرصة الكافية لاكتساب الخبرة المتراكمة التي كانت متوفرة لدى الأجيال السابقة.
وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال التقليل من قدرات الشباب أو من قيمة الأجيال الجديدة، وإنما يبرز الفرق الطبيعي بين التكوين النظري والخبرة المهنية التي لا تُكتسب إلا عبر الزمن والممارسة.
رابعًا: من هجرة الأفراد إلى استنزاف رأس المال البشري
تكمن خطورة الظاهرة، إذن، في احتمال تحولها من مجرد انتقال للأفراد إلى استنزاف تدريجي لرأس المال البشري.
فرأس المال البشري لا يتمثل في عدد الأشخاص المتعلمين فقط، وإنما يشمل كذلك المعارف والمهارات والخبرات والقدرة على الابتكار والتأطير والإنتاج.
وكلما فقد المجتمع جزءًا من هذه العناصر، أصبحت عملية إعادة إنتاج الكفاءة أكثر صعوبة.
وقد تدخل الدولة، في هذه الحالة، في حلقة متكررة: استثمار طويل في التعليم والتكوين، ثم مغادرة جزء من الكفاءات، ثم إعادة تكوين أجيال جديدة لتعويض النقص، ثم تعرض هذه الأجيال بدورها لظروف قد تدفعها إلى الهجرة.
وتكمن المشكلة في أن هذه الدورة قد لا تسمح للخبرة بأن تتراكم داخل المؤسسات بالقدر الكافي.
فالطبيب أو المهندس أو الباحث الذي يغادر بعد سنوات من الخبرة لا يأخذ معه معارفه الفردية فقط، وإنما يغادر معه جزء من الذاكرة المهنية للمؤسسة التي عمل فيها.
ومن هذه الزاوية، تصبح هجرة الكفاءات مسألة تتجاوز سوق العمل لتتصل بالقدرة المؤسسية للدولة وباستمرارية المعرفة داخل المجتمع.
خامسًا: حرية الفرد ومسؤولية الدولة
مع ذلك، ينبغي التعامل مع الظاهرة بعيدًا عن تحميل المهاجر مسؤولية الوضع الذي أدى إلى هجرته.
فالهجرة، في أصلها، قرار فردي يرتبط بحق الإنسان في اختيار مكان إقامته وعمله ومستقبله.
كما أن البحث عن ظروف مهنية أفضل، أو عن إمكانات أكبر للبحث العلمي والتخصص والتطور، يمثل دوافع يمكن فهمها في إطار الحركة الطبيعية للكفاءات في عالم أصبح أكثر انفتاحًا وترابطًا.
لذلك، فإن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقوم على مطالبة الكفاءات بالبقاء بدافع الواجب وحده.
فالاحتفاظ بالكفاءة يحتاج إلى توفير بيئة تسمح لها بالعمل والتطور وتحقيق قدر معقول من الاستقرار والتقدير المهني.
ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: لماذا يغادر أصحاب الكفاءات؟
وإنما أيضًا: ما الظروف التي تجعل البقاء خيارًا مهنيًا واجتماعيًا قابلًا للتحقق؟
سادسًا: الهجرة باعتبارها إمكانية للتواصل لا قطيعة نهائية
لا ينبغي كذلك النظر إلى الكفاءات التونسية الموجودة في الخارج باعتبارها رأس مال بشريًا مفقودًا بصورة نهائية.
فالمهاجر يمكن أن يتحول إلى عنصر من عناصر التواصل بين تونس والمنظومات العلمية والمهنية والاقتصادية الأجنبية.
وقد تساهم الكفاءات الموجودة بالخارج في نقل المعرفة، وإقامة شبكات التعاون، وتوفير فرص التدريب، وتشجيع الاستثمار، والمساهمة في المشاريع العلمية والمهنية، أو العودة المؤقتة والدائمة إلى تونس.
وبذلك يمكن الانتقال من مفهوم «هجرة الكفاءات» إلى مفهوم أكثر اتساعًا يقوم على إدارة الكفاءات الوطنية داخل تونس وخارجها.
فالمسألة لا تتعلق فقط بمنع الهجرة، وهو أمر غير واقعي في عالم مفتوح، وإنما بكيفية الحفاظ على الصلة بين الكفاءة المهاجرة وبلدها الأصلي.
خاتمة
إن هجرة الكفاءات التونسية ليست مجرد ظاهرة ديموغرافية أو مهنية، وإنما هي مسألة ترتبط بمستقبل التنمية وبقدرة المجتمع على المحافظة على رأس ماله البشري وتطويره.
فالخسارة لا تتمثل فقط في عدد الأطباء والمهندسين والباحثين والمحامين والأساتذة والرياضيين الذين يغادرون البلاد، وإنما في المعرفة والخبرة التي تراكمت لديهم، وفي القدرة التي كانت لديهم على تكوين الجيل اللاحق.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع الكفاءات من السفر، وإنما في بناء الظروف التي تجعل تونس قادرة على الاحتفاظ بجزء أكبر من كفاءاتها، وقادرة في الوقت نفسه على الحفاظ على الروابط مع من اختاروا العمل خارجها.
فالدولة التي تستثمر في التعليم والتكوين لا ينبغي أن تقيس نجاحها فقط بعدد الشهادات التي تمنحها، وإنما كذلك بقدرتها على تحويل هذا التكوين إلى معرفة وخبرة وإنتاج داخل المجتمع.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي تطرحه هجرة الكفاءات ليس فقط: من غادر تونس؟
بل هو سؤال يتعلق بالمستقبل.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

لم يعد العالم يعيش انتقالًا هادئًا من مرحلة إلى أخرى؛ فقواعد القوة تتبدل أمام أعيننا.
07:00 - 2026/09/28
 ليست تونس مجرد وطن نحمله في جواز السفر، بل هي ذاكرة وانتماء وجذور تبقى معنا أينما أخذتنا الحياة
07:00 - 2026/09/28
تواجه الإدارة العمومية الحديثة تحديات جسيمة تؤثر بشكل مباشر على كفاءتها وعلاقتها بالمواطن.
07:00 - 2026/09/28
نقف اليوم في الذكرى الثالثة لـ "طوفان الأقصى" الإعجازي الذي هزّ العالم وزعزع المفاهيم القديمة وخل
07:00 - 2026/09/28
أحيانا ، قد تكون "في الإعادة إفادة" كما يقولون ، ولكن ليس مع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ، الذ
07:00 - 2026/09/28
في كلّ أسبوع، حين تستيقظ المدينة على ضجيج الباعة، وتفوح من الأزقّة روائح الخضار الطازجة والتوابل
07:00 - 2026/09/28
في السياسة الخارجية، لا تُقاس مواقف الدول بكثرة البيانات التي تصدر عنها، ولا بإرتفاع نبرة الخطاب
07:00 - 2026/09/25
الخطبة الأولى
07:00 - 2026/09/25