مع الشروق : «إسرائيل أوّلا»...أمريكا تخذل حلفاءها الخليجيين
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/29
طوال العقود الماضية، قامت العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج على معادلة واضحة: واشنطن توفّر المظلة الأمنية، وحلفاؤها يوفّرون المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والنفوذ الإقليمي.
لكن الحرب مع إيران تبدو وكأنها كشفت هشاشة هذه المعادلة، ووضعت سؤالا أكثر حساسية أمام عواصم الخليج: ماذا يحدث عندما تتعارض مصالح الحليف الأمريكي مع مصالح من يفترض أنهم شركاؤه؟
المشهد الحالي يقدم إجابات مقلقة، فالدول الخليجية التي أنفقت مئات المليارات على شراء السلاح الأمريكي، واستضافت القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية، تجد نفسها اليوم في قلب تداعيات حرب لم تكن هي صاحبة قرارها.
فمثلا السعودية، تعرّضت لهجمات طالت منشآتها ومصالحها الحيوية، فيما اتّسع نفوذ الحوثيين في اليمن واقترب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بينما أصبحت أزمة مضيق «هرمز» وتهديدات الملاحة والطاقة جزءا من يوميات المنطقة.
المفارقة أن واشنطن لا تبدو مستعدة، في كل حالة، لتقديم الحماية التي اعتادت دول الخليج اعتبارها أمرا مفروغا منه، فقد ذكرت تقارير أن الرياض طلبت دعما أمريكيا في مواجهة الحوثيين، بينما تردّدت الإدارة الأمريكية في الانخراط العسكري المباشر، قبل أن يقرّر ترامب تأجيل ضربات كانت مطروحة ضد الجماعة.
في الوقت نفسه، يقول تقرير صحيفة «أوبزيرفر» إن قادة خليجيين دخلوا اجتماعهم مع ترامب في نيويورك وهم ينتظرون تطمينات أمنية، لكنهم خرجوا منه من دون ضمانات بالحجم الذي كانوا يأملونه.
الأكثر إثارة للجدل هو ما كشفه المعلق الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون عن حواره مع ترامب، إذ بحسب رواية كارلسون، فإنه حاول إقناع الرئيس الأمريكي بعدم الانجرار إلى الحرب مع إيران، لكن ترامب رد عليه بعبارة مفادها أن الجميع سيموتون في النهاية.
وهنا تصل الأزمة إلى جوهرها: هل أصبح الكيان المحتل، في حسابات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، أولوية تتقدّم على حسابات الحلفاء العرب؟ يبدو هذا هو الانطباع الذي يتّسع في بعض الأوساط الخليجية، خصوصا عندما تقارن هذه العواصم بين سرعة واشنطن في الانخراط عسكريا في مواجهة إيران، وبين تحفّظها عندما يتعلق الأمر بحماية حلفائها من تداعيات الحرب نفسها.
قد لا يعني ذلك بالضرورة أن السياسة الأمريكية تدار حصريا لمصلحة الكيان الصهيوني، فواشنطن لديها مصالحها الخاصة المتعلقة بأمن الملاحة والطاقة واحتواء إيران وحماية قواتها ومواقعها في المنطقة.
لكن تسلسل الأحداث يطرح سؤالا مشروعا حول ترتيب الأولويات الأمريكية، خصوصا عندما تشعر دول الخليج بأن علاقاتها الاستراتيجية واستثماراتها الضخمة وشراكتها الأمنية الطويلة ، لم توفّر لها الحماية التي توقّعتها في لحظة الاختبار.
لقد كشفت الحرب إذن شيئا يتجاوز الصراع الأمريكي الإيراني، وهو أزمة الثقة بين واشنطن وبعض حلفائها، و لم تعد الدول الخليجية ترى الأمن الإقليمي كمسألة يمكن تفويضها بالكامل إلى قوة خارجية، بل بدأت تبحث عن بدائل وشراكات إضافية، حتى مع الصين وروسيا، مع إدراكها في الوقت نفسه أنه لا يوجد حتى الآن بديل كامل عن الولايات المتحدة.
في النهاية قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كانت أمريكا ستترك الخليج، فهذا أمر لا تشير إليه المعطيات الحالية، بل ما إذا كان حلفاؤها ما زالوا يعتقدون أن واشنطن ستدافع عنهم عندما تتعارض حمايتهم مع أولوياتها الأخرى.
وإذا استمرت هذه الشكوك، فإن أخطر نتائج الحرب لن تكون في ساحات القتال وحدها، بل في إعادة صياغة علاقة عمرها عقود بين الولايات المتحدة والمنطقة، فالتحالفات لا تقاس فقط بحجم صفقات السلاح أو عدد القواعد العسكرية، وإنما بما يحدث عندما تأتي لحظة الاختبار.
بدرالدّين السّيّاري
طوال العقود الماضية، قامت العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج على معادلة واضحة: واشنطن توفّر المظلة الأمنية، وحلفاؤها يوفّرون المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والنفوذ الإقليمي.
لكن الحرب مع إيران تبدو وكأنها كشفت هشاشة هذه المعادلة، ووضعت سؤالا أكثر حساسية أمام عواصم الخليج: ماذا يحدث عندما تتعارض مصالح الحليف الأمريكي مع مصالح من يفترض أنهم شركاؤه؟
المشهد الحالي يقدم إجابات مقلقة، فالدول الخليجية التي أنفقت مئات المليارات على شراء السلاح الأمريكي، واستضافت القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية، تجد نفسها اليوم في قلب تداعيات حرب لم تكن هي صاحبة قرارها.
فمثلا السعودية، تعرّضت لهجمات طالت منشآتها ومصالحها الحيوية، فيما اتّسع نفوذ الحوثيين في اليمن واقترب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بينما أصبحت أزمة مضيق «هرمز» وتهديدات الملاحة والطاقة جزءا من يوميات المنطقة.
المفارقة أن واشنطن لا تبدو مستعدة، في كل حالة، لتقديم الحماية التي اعتادت دول الخليج اعتبارها أمرا مفروغا منه، فقد ذكرت تقارير أن الرياض طلبت دعما أمريكيا في مواجهة الحوثيين، بينما تردّدت الإدارة الأمريكية في الانخراط العسكري المباشر، قبل أن يقرّر ترامب تأجيل ضربات كانت مطروحة ضد الجماعة.
في الوقت نفسه، يقول تقرير صحيفة «أوبزيرفر» إن قادة خليجيين دخلوا اجتماعهم مع ترامب في نيويورك وهم ينتظرون تطمينات أمنية، لكنهم خرجوا منه من دون ضمانات بالحجم الذي كانوا يأملونه.
الأكثر إثارة للجدل هو ما كشفه المعلق الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون عن حواره مع ترامب، إذ بحسب رواية كارلسون، فإنه حاول إقناع الرئيس الأمريكي بعدم الانجرار إلى الحرب مع إيران، لكن ترامب رد عليه بعبارة مفادها أن الجميع سيموتون في النهاية.
وهنا تصل الأزمة إلى جوهرها: هل أصبح الكيان المحتل، في حسابات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، أولوية تتقدّم على حسابات الحلفاء العرب؟ يبدو هذا هو الانطباع الذي يتّسع في بعض الأوساط الخليجية، خصوصا عندما تقارن هذه العواصم بين سرعة واشنطن في الانخراط عسكريا في مواجهة إيران، وبين تحفّظها عندما يتعلق الأمر بحماية حلفائها من تداعيات الحرب نفسها.
قد لا يعني ذلك بالضرورة أن السياسة الأمريكية تدار حصريا لمصلحة الكيان الصهيوني، فواشنطن لديها مصالحها الخاصة المتعلقة بأمن الملاحة والطاقة واحتواء إيران وحماية قواتها ومواقعها في المنطقة.
لكن تسلسل الأحداث يطرح سؤالا مشروعا حول ترتيب الأولويات الأمريكية، خصوصا عندما تشعر دول الخليج بأن علاقاتها الاستراتيجية واستثماراتها الضخمة وشراكتها الأمنية الطويلة ، لم توفّر لها الحماية التي توقّعتها في لحظة الاختبار.
لقد كشفت الحرب إذن شيئا يتجاوز الصراع الأمريكي الإيراني، وهو أزمة الثقة بين واشنطن وبعض حلفائها، و لم تعد الدول الخليجية ترى الأمن الإقليمي كمسألة يمكن تفويضها بالكامل إلى قوة خارجية، بل بدأت تبحث عن بدائل وشراكات إضافية، حتى مع الصين وروسيا، مع إدراكها في الوقت نفسه أنه لا يوجد حتى الآن بديل كامل عن الولايات المتحدة.
في النهاية قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كانت أمريكا ستترك الخليج، فهذا أمر لا تشير إليه المعطيات الحالية، بل ما إذا كان حلفاؤها ما زالوا يعتقدون أن واشنطن ستدافع عنهم عندما تتعارض حمايتهم مع أولوياتها الأخرى.
وإذا استمرت هذه الشكوك، فإن أخطر نتائج الحرب لن تكون في ساحات القتال وحدها، بل في إعادة صياغة علاقة عمرها عقود بين الولايات المتحدة والمنطقة، فالتحالفات لا تقاس فقط بحجم صفقات السلاح أو عدد القواعد العسكرية، وإنما بما يحدث عندما تأتي لحظة الاختبار.
بدرالدّين السّيّاري