ماهي فلسفة الاستقداس التي ننادي بها؟ 

ماهي فلسفة الاستقداس التي ننادي بها؟ 

تاريخ النشر : 19:37 - 2026/05/19

1
التفلسف استقداسيًّا: فلسفة الاستقداس فلسفة تحرير:
إنّ التفلسف، بمعنى تدريب الذات على التعرّف إلى ذاتها والنزوع بها نحو استئناس الحكمة والسعي لثقفها أينما وُجدت، لهو استقداس للذات على صيغة: "استقدس نفسك بنفسك"، ليصير التفلسف استقداسًا للذات بذاتها. وبما أنّه، أي الاستقداس، تفكير تحريريّ وفعل تحريريّ في آن معًا، يكون التفلسف، الذي هو استقداس للنفس، تحريرًا للنفس عينها. ولمّا كانت الفلسفة الاستقداسيّة، وهي فلسفة تحريريّة، سياسةً استقداسيّة، وهي سياسة تحريريّة أيضًا، فإنّ سياسة استقداس الأوطان، أي تحرير هذه الأوطان، من نفس طبيعة استقداس التفلسف، أي تحريره من كل شوائب ما يُعرف بالنخب الكولونياليّة، وبالأحرى نخب نمط الإنتاج الفكري والمعرفي الكولونيالي في نفس منظومة نمط الإنتاج الكولونيالي الكليّة. وبإيجاز، الفلسفة استقداس أقرب إلى التماهي مع التحرير، والسياسة تحرير أقرب إلى التماهي مع المقاومة.
هكذا نرى في العقول وفي القلوب وفي البنادق وفي الارتقاء كتابًا أو خطابًا، والارتقاء تحريرًا ونصرًا أو شهادة؛ نرى استعادة بناء تيار الاستقداس الذي نسمّيه التيار الوطني المقاوم بوصفه تيارًا وطنيًّا استقداسيًّا، ونرى ضرورة مشروع ما نسمّيه دراسات استقداسيّة.
هذه القطفة أو هذه المقطوفة من روح الاستقداس أو من حكمة الاستقداس تُوجب علينا درجة مضافة من التوضيح من جهة الموقف الفلسفي والسياسي حتى نبتعد بدرجة عن التأمّليّة ونمرّ إلى أرضيّات تفكير أخرى، ومن المناسب أن يكون موضوع التوضيح ما سمّيناه نمط الإنتاج المعرفي الكولونيالي أسوة بـالمفكر الشهيد مهدي عامل.
2
طريق الاستقداس طريق التحرير:
إنّ النصر والهزيمة بالنسبة إلينا لا يُفهمان إلاّ على نفس الطريق، أي طريق الاستقداس. وطريق الاستقداس هذه تتحدّد بالانتماء إلى التحرير بالمعنيين التاريخي والجغرافي، وبالمقصدين التحريري والانعتاقي، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، والصعيدين المحلّي (الوطني والذاتي) والعالمي (الأممي والإنساني). ومن هنا، بعد "حلّ التحريرين"، ما نسمّيه الآن "حقّ التحريرين".
لم يعد مفهوم النصر والهزيمة، كما هو معلوم، متمثّلًا فقط في أهداف الحرب، ولا فقط في تكاليفها ونتائجها، وإنّما بالأساس في تصوّراتها. وعلى ذلك كان مفهومنا منذ البداية مفهوم نصر سمّيناه "حلّ التحريرين" وأسندناه بحقّ التحريرين. وأمّا بروتوكولات الإبادة والإفناء الصاخبة والباردة التي تُتابعها كلّ البشريّة فما هي سوى أوهام أطواق نجاة للعدوّ، ولهذا العدوّ سيكون منها نصيب. فلا نصر دون مقاومة، ودون تجهيز وجاهزيّة للمقاومة، حتى يكون التصوّر متناسبًا مع الغاية، وتكون أدوات المقاومة جهوزيّة انتصار.
نرى، بمقابل استعدادات الهزيمة وترتيبات ما بعد الهزيمة التي يعمل العدوّ ومن استُسرل معه على فرضها على البشريّة، انّه لا مقاومة ولا انتصار ولا تصوّر للحرب يؤدّي إلى الانتصار من دون جاهزيّة معرفيّة وجهوزيّة فكريّة تُحفّز وتدفع بهذا التصوّر إلى منتهاه، فتصبح دافعيّة وحافزيّة الحرب دافعيّة وحافزيّة فكر مقاوم قبل كل شيء. وحيث لا رؤية ولا روحيّة تحريريّة استقداسيّة، لا مقاومة ولا انتصار. وبعبارات أوضح وأبسط: لا نصر إلاّ بتصوّر نصر، ولا تحرير إلاّ بتصوّر تحرير، بل إنّ إرادة القتال وإرادة الانتصار يُردّان إلى إرادة المعرفة التحريريّة الاستقداسيّة: معرفة أنفسنا ومعرفة العدوّ تحريريًّا واستقداسيًّا. وعلى عكس توسيع أفق النصر، ثمّة عدّة قوى مرتبطة بالعدوّ لا تزال تعمل لا على تمكين العدوّ من النصر فقط، وإنّما، أنكى من ذلك، تمكين المهزوم من أدوات الهزيمة أكثر، حتى من نزع أسباب القوّة وعدم توفير أدوات القوّة وصناعة الهزيمة وإرادة فرضها، وكأنّما من استنصر استُهزم. وعليه فإنّ مقاربة النصر أهمّ عنصر في صياغة النصر صياغة تؤدّي إلى منظومة نصر وناموس نصر بفرض ترسانة المفاهيم المناسبة، ومنها المسارات والخرائط والمآلات. وبإيجاز، لا انتصار من دون تغيير النظام المعرفي العالمي الكولونيالي على أساس إنتاج نمط تحرير كلّي، حتى لا يتفاجأ القوم يومًا بأنّ هدفهم ليس تأبيد الإبادة، وإنّما إنهاء فلسفة التحرير والمقاومة والإجهاز على التيار الاستقداسي التحريري واستبداله بأيّ رهط من المنتصرين الاصطناعيين المهزومين في الحقيقة، وتوليتهم على أهل الحقّ؛ فالمهمّ والأهمّ ألّا يبقى نوع الإنسان المقاوم في العالم.
ما ننظر به إذن أساس ما ننظر إليه حكميًّا ورساليًّا ومقاوميًّا. ومن يُعمَ في الأصل يُعمَ في الفروع.
بلى، نحن نؤمن بالحسنيين (النصر والشهادة)، وإنّما بالحسنيين على أساس تصوّر التحريرين.
3
روح التحرير:
روح التحرير الحقّ مقصدنا. لا تحرير إذن بلا روح. روحيّته النصر أو لا يكون. كلّ شيء من روحك، إذا استقدستها استقدستك، وإذا استقذرتها استقذرتك؛ إذا حرّرتها حرّرتك، وإذا استعبدتها استعبدتك واستتبعتك؛ إذا استقدستها انتصرت، وإذا استسرلتها استفنتك.
كلّ شيء في روحك، إذا استنقذتها استنقذتك، وإذا بدّدتها بدّدتك.
كلّ طاقة روحك لك، إذا نظرت بعينيك رأيتها، وإذا نظرت بعيون عدوّك أُعمِيت.
أصل المحبّة هويّة روحيّة، والمستقدِس محبّ يضحّي من أجل المستقدَس. لا وجد ولا هيام ولا وله دون سند روحي.
تارك الأوطان لا هويّة روحيّة له، مخزيّ في روحه إلى الأبد، غير قابل للاستقداس والتحرير، قابل للإفناء الذاتي بلا جهد.
الكون من الروح، والروح كون. كيفما تفكّرت في الحقّ تحرّرت. لا تحرير يُعتدّ به لا يسلك طريق الحقّ. إذا سلكها سلكته. ما الدم الحقّ إلاّ دم تحرير، زاد طريق. بلى، دم الحقّ زاد طريق، ودم التحرير طريق الطريق. لا حيلة في ترك الحقّ، ولا حيلة في ترك التحرير، لا حرير في الطريق.
مهمّة الحرّيّة التحرير؛ تغلب تُكسب، تُغلب تُكسب. حركة في حركة، وفكرة في فكرة، وخلجة في خلجة، وسيف في سيف.
فنّ الحكمة ما ينبغي الثبات عليه.
إرادة التحرير من فوهة الشرف. و"الشرف لا يُكتسب". يجب فقط ألّا يُفقد.
4
حكمة التحرير:
لا تحرير إلاّ بالانتماء. ومن مقاصد الإيمان التحرير.
لا طغاة ولا غزاة ولا عبيد، فمن حرّف الأمانة ازداد وبالًا.
من قبل بأيّ احتلال حلّ بروحه الفناء، ونزلت عليه آيات الزوال، ونُزع عنه كلّ انتماء إلى بركات الأوطان، وصُبّت عليه صروف المحال.
ومالهم لا يرون إلاّ ما يُعمي الأبصار، ثمّ يقولون إنّا نستنير؟ ألا إنّهم ممّن يُعمي البصائر ويطمس بأفواه لو أُلجمت قبل الخلق لقالت بعده: كنّا نقدّ الوجود سرًّا، وما ربّك بخلّاق فريد. أولئك أعداء التحرير، خاب وذلّ وضلّ كلّ من بدربهم أمل.
قال الفاحش البغيض البذيء: "انهزموا"، ولم يرحم واقفًا يودّع أكباده الثرى، ولا شهيدًا يودّع شهيدًا، ولا مجاهدًا يستودع مجاهدًا في الخلاء، ولا مقاتلًا يزرع عبوة لغد، ولا بارك ولا أوفى ولا انتمى.
قال: "أوَلا نستقدس طريق بعضنا البعض؟ فلنتحابب في الحقّ. أوَلا نتحابب في الحقّ؟ فلنستقدس طريق بعضنا البعض". تلكم حكمة التحرير، وعليها نسير: رفاقيّة روحيّة واطمئنان.
5
حدس التحرير:
إذا خطر ببالك أن تستسلم، فعليك بالتحرّر لئلّا تتحوّل إلى حالة انتحار، فتهلك حتّى دون احتضار. كن أنت المحرِّر والمحرَّر.
إذا كنت أنت نفسك موضوع التحرير، هانت عليك الطريق، فلا يكتمل تحرير دون وطن محرِّر ومحرَّر.
أثر العين والقلب والعقل والصوت والطلقة والنور كلّه سيبدو عليك في أوّل الطريق. إذا بان لك أثر فأنت لها، لا تتردّد فتحاصرك العتمة وتهن وتحزن وتُهزم.
من حدوس التحرير أن تشعر بأنّ الحياة مفصولة عن أصلها الذي لا تعرف، والسماء منقطعة عن الأرض بما لا تعرف، والأرض منقوصة أو الوصل بينهما غامض كما لم تعرف. طال الانتظار، والوقت تأخّر، وبلغت القلوب الحناجر.
حدس التحرير مجرّد إعادة وضع القلب في موضعه. حدس التحرير استعادة الإيمان بأنّك ستحيا لحظة تقول فيها: ها قد آن الأوان.
الإيمان يصحبك في كلّ لحظة شرط أن تعرفها فتستحقّها لمن يستحقّها.
كالعود الذي يشعل غابة، والشمعة التي تشعل ألفًا، والحشرة التي تسقط وحشًا، رصاصة واحدة كاملة التكوين يمكن أن تشعلها؛ فكرة واحدة يمكن أن تهزمها؛ دقيقة واحدة يمكن أن تتسبّب في إزالتها. لا تتردّد. قد تكون القوّة الضعف الذي يفعل فعله، فلا يُضعف القوّة فحسب، ولا يجعلها ضعفًا فحسب، بل يمحوها.
رصاصة واحدة كاملة: يتعلّق الأمر بطريقتك في التأويل.
لا أمل في النصر، لا يأس من النصر، سيّان، إذا كانت فكرته مستعارة لا مستقدَسة.
لن تعرف شيئًا عمّا ينتظرك من عبوديّة طالما لم تتأمّل التحرير.
بلا نجوم ولا قمر ستمضي أيّامك إذا عرفت طريق العزّة وخالفتها.
ستُعرف عظمة هذا التحرير من شهدائه.
6
ستُعرف عظمة هذا التحرير من شهدائه:
إنّ حدود التحرير من حدود الحقّ. والحقّ ليس قابلًا للتحرير إلاّ إذا سبقه التصوّر: تصوّر المستقبل، وليس تصوّر التاريخ.
وإنّ خلق التصوّرات أهمّ من بناء التوقّعات. وأقصر طريق فضلى إلى الوفاء تأتي من تصوّر التحرير، فقوّة التدبير من قوّة الله لا تتحقّق إلاّ بترجمة آيات النصر في استراتيجيّة تحرير.
لقد نصرنا الله حين وعدنا، ولن نرى هذا الوعد كاملًا إلاّ إذا وعدناه بأن نتصرّف في النصر بالطريقة التي يرضاها ويراها قبل أن نراها.
لا ينفع أن نحلم بأن نرى وعد الآخرة ونحن لم نتعلّم من الدنيا صبر ساعة.
إنّ مفهوم النصر الذي نراه مرتبط بأمرين: تجريد العدوّ من الاعتراف، وإزالة روايته من الوجود بقوّة عدم الاعتراف وبقوّة السلاح.
النصر مأوى الروح، لا يفقهه إلاّ المظلوم، ولا يشعر به إلاّ الشهداء.
حياة المظلومين على الأرض لا تشبه حياة الشهداء إلاّ في الشعور بواجب الانتصار لتخليص الروح حتى تخلد إلى أمر ربّها راضية مرضيّة.
من يتطلّع إلى النصر ولا يضحّي من أجله، ليس عليه إلاّ تصوّر الهزيمة عقوبةً مهينة يشعر فيها بالخزي والخيبة والحمق وانعدام الشرف.
سيقول بعض الموتى بالحياة إنّ هذا الحقّ كثير علينا، ذلك لأنّ حياة الشهداء كبيرة عليهم.
إنّهم يفتقدون إلى مفهوم نصر، ذلك بأنّهم لا شهداء لهم؛ ذلك بأنّهم نسوا ربّهم ولم يستطيعوا نسيان الشهداء وهم حجّة عليهم؛ ذلك لأنّ حياة الشهداء كبيرة عليهم.
إنّ أيّ شعب يفتقد إلى روح الانتصار لن ينعم بأيّ قادة، لا أحياء ولا شهداء، لا مفكّرين ولا مقاومين.
لا تجتمع العقول والبنادق إلاّ في أمّة أرادها الله رائدة للبشريّة، وبقدر ما تكتمل العقول تكتمل البنادق، ويُؤتى النصر بعدما تُؤتى الحكمة.
ليس أفجر من الذي ترك قومه محتلًّا، وإنسانيّته مغتصبة، وعقله مسلوبًا، وذاته مسحوقة، وادّعى علمًا من عرش محتلّ.
ومن أتى الناس بمتاع عقل لا يملك من غايته سوى اجترار أو ابتكار حتف بني جلدته أو خداعها أو التحكّم في وعيها، كمن أتى على شرف والديه وكان نطفة ملعونة شغلًا ومشغّلًا.
إنّ لكم بالعتق الروحي أن تتحرّروا فلا تُستعبدوا أبدًا؛ إنّ لكم بالانعتاق الذاتي أن تجتازوا البحار، وتصعّدوا الجبال، وتخترقوا الجدران برًّا وجوًّا وتكنولوجيا، ولا تقعدوا حتى يكون لكم مع كلّ محرّر عهد ومدد، فلا تعودوا أبدًا حتى تؤدّوا قسطكم إلى السماء.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

بمناسبة حرب ترامب ونتنياهو على إيران توجه الى العرب شعوبا وحكاما بهذه الكلمة:
07:00 - 2026/05/18
عدتُ وَحْدي  إلى البلدة التي غادرتها منذ أكثر من  أربعين سنة.
07:00 - 2026/05/18
يعتبر حي المحطّة بالمتلوي من أعرق الأحياء إطلاقا في هذه المدينة المنجمية حيث تأسّس منذ بعث شركة ا
07:00 - 2026/05/18
كان هذا المأزق منتظرا، وليس بالأمر الغريب ولا بالشيء العجيب على شخصية  ترامب المضطربة، والزئبقية،
07:00 - 2026/05/18
يتواصل الوضع متفجرا ومضطربا في جمهورية مالي منذ نهاية شهر أفريل الماضي منذ أن شنت بعض الفصائل الإ
07:00 - 2026/05/18
قبل زيارة الرئيس  الأمريكي «دونالد ترامب» إلى الصين وبعدها ، يظل مصير الحرب الأمريكية «الإسرائيلي
07:00 - 2026/05/18