مع الشروق : ترامب العاجز والعالق في «فخ استراتيجي»

مع الشروق : ترامب العاجز والعالق في «فخ استراتيجي»

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/19

 يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في مسيرته السياسية، بعدما تحول الملف الإيراني إلى عقدة استراتيجية تكشف حدود القوة الأمريكية وحدود قدرة ترامب نفسه على فرض شروطه على طهران.
 فلا الخيار العسكري نجح في إخضاع إيران، ولا المفاوضات أنتجت اختراقًا سياسيًا حقيقيًا، فيما تتزايد حالة الارتباك داخل الإدارة الأمريكية بين تيار يدفع نحو التصعيد العسكري وآخر يحذر من الانزلاق إلى حرب مفتوحة في الشرق الأوسط.
شبكة "سي ان ان" الأمريكية وصفت وضع ترامب بأنه "معادلة معقدة وصعبة"، فالرجل الذي لوّح مرارًا بالقوة وجد نفسه يعود من جولات التحرك السياسي دون نتائج ملموسة، بينما تتقدم إيران بثبات وفق استراتيجية تقوم على استنزاف الوقت وإرباك الخصم وإجباره على التحرك تحت الضغط.
فترامب الذي راهن طويلًا على سياسة "الضغوط القصوى" كان يعتقد أن العقوبات الاقتصادية والتهديد العسكري سيدفعان طهران إلى تقديم تنازلات سريعة، غير أن ما حدث كان العكس تمامًا، إذ أن الإيرانيين تعاملوا مع العقوبات بمنطق "الصبر الاستراتيجي"، ونجحوا في امتصاص جزء كبير من الضغوط، مع الحفاظ على خطاب سياسي متماسك يرفض الظهور بموقع المنهزم.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية لتزيد من حدة الإحراج الأمريكي، حين قال إن ترامب "دخل في فخ استراتيجي"، فالإدارة الأمريكية تبدو اليوم وكأنها تتحرك داخل دائرة مغلقة: لا تستطيع التراجع الكامل لأن ذلك سيُفسَّر كاعتراف بالفشل، ولا تستطيع الذهاب إلى حرب شاملة بسبب كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
ولعلّ أحد أبرز مظاهر عجز ترامب يتمثل في اعتماده المتكرر على سياسة التهديد بالحرب، فالرئيس الأمريكي يلوّح دائمًا بالخيار العسكري باعتباره أداة ضغط نفسي وسياسي، إلا أن هذه السياسة لم تحقق التأثير المطلوب مع الإيرانيين المعروفين بالهدوء التكتيكي والقدرة العالية على المناورة، فطهران تدرك جيدًا أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، لا ترغب في حرب طويلة ومكلفة قد تشعل المنطقة بأكملها وتؤثر على الداخل الأمريكي.
كما أن الإيرانيين أتقنوا لعبة التفاوض الطويل، حيث اعتمدوا ما يشبه سياسة "التدويخ السياسي"، عبر الدخول في جولات حوار مع تقديم رسائل متناقضة أو مقترحات متبدلة، بما يسمح لهم بكسب المزيد من الوقت واستنزاف أعصاب الطرف الأمريكي.
 وقد بدا ترامب نفسه منزعجًا من هذه الاستراتيجية حين تحدث مؤخرًا عن الإيرانيين واصفًا إياهم بأنهم "مجموعة من المجانين لا يلتزمون بما يقولونه"، مضيفًا أنهم "يقولون شيئًا ثم يرسلون مقترحًا مختلفًا تمامًا".
هذه التصريحات تعكس بوضوح حجم الإرباك داخل البيت الأبيض، إذ يبدو ترامب متلهفًا لتحقيق أي إنجاز سريع يمكن تسويقه للرأي العام الأمريكي باعتباره "نصرًا سياسيًا"، لكن الواقع يشير إلى أن هذا النصر لا يزال بعيد المنال، في ظل قدرة إيران على التحكم بإيقاع الأزمة وجرّ واشنطن إلى مفاوضات طويلة بلا نتائج حاسمة.
إن الأزمة بالنسبة الى ترامب ليست فقط أزمة سياسة خارجية، بل أزمة صورة أيضًا، فالرئيس الأمريكي الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على فكرة "الرجل القوي" يجد نفسه أمام خصم يرفض الانكسار، ويستفيد من عامل الوقت ومن الانقسامات داخل الإدارة الأمريكية نفسها.
وبالفعل بات هناك  داخل واشنطن من يرى أن التصعيد العسكري أصبح ضروريًا لاستعادة الهيبة الأمريكية، بينما يحذر آخرون من أن أي حرب جديدة قد تتحول إلى كارثة استراتيجية تتجاوز العراق وأفغانستان.
وفي المقابل، تبدو طهران أكثر راحة في إدارة هذا الصراع، فهي لا تبحث بالضرورة عن مواجهة مباشرة، لكنها تدرك أن مجرد صمودها في وجه الضغوط الأمريكية يُعتبر بحد ذاته انتصارًا سياسيًا ومعنويًا،  ولذلك تواصل اعتماد سياسة النفس الطويل، مستفيدة من خبرتها التاريخية في التفاوض ومن قدرتها على تحويل الوقت إلى سلاح استراتيجي.
بدرالدّين السّيّاري
 

تعليقات الفيسبوك