مع الشروق : 87 ٪ من الأطفال تحت سطوة الشاشات  والانفلات   الرّقمي!!

مع الشروق : 87 ٪ من الأطفال تحت سطوة الشاشات  والانفلات   الرّقمي!!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/20

كشف التقرير الوطني حول "وضع الطفولة وأوضاع حقوق الطفل" أنّ نسبة الأطفال الذين يستعملون الإنترنت في تونس بلغت 87 %، فيما بلغت نسبة من يمتلكون هاتفًا ذكيًا 86.7 %، دون احتساب من بحوزتهم لوحات رقمية.
ويثير هذا التنامي اللافت في عدد مستعملي الإنترنت والهواتف الذكية في صفوف الأطفال حالةً من القلق، إزاء انخراط أغلبيتهم في الفضاءات المرئية والرقمية والافتراضية دون مرافقة فعلية أو رقابة أسرية حقيقية.
فهذه الفضاءات المفتوحة على العالم، بلا قيود واضحة في الاستعمال، تتيح مضامين متفاوتة الخطورة، مجهولة المصدر أو موجّهة، من شأنها أن تُوقِع الناشئة في عديد المعضلات، وفي مقدّمتها الإدمان الإلكتروني، والاستقطاب، والاستدراج، والتحيّل، والابتزاز، والتحرّش، إضافة إلى الاطلاع على مضامين صادمة، وعلى رأسها المحتويات الإباحية.
غير أنّ المخاطر لا تقف عند هذه الحدود، إذ يؤكّد مختصّو طبّ نفس الأطفال أنّ الإفراط في استعمال الوسائل الرقمية من شأنه أن يؤثّر سلبًا في توازنهم الغذائي والصحي والنفسي والاجتماعي، ويقودهم إلى ما يُصطلح عليه اليوم بالإدمان الإلكتروني، وهو لا يقلّ خطورة عن الإدمان على السجائر.
فهذا الجمهور الواسع لا يمتلك القدرة على التحكّم في استعمال الهاتف الجوّال، ولا يعي آليات ترشيد استهلاك المحتوى الرقمي، كما يفتقر إلى النضج العمري الذي يسمح له بغربلة المضامين وتوزيع الوقت بين الدراسة واستعمال الهاتف واللعب والأكل. ونتيجة لذلك، يختلّ نظامه الزمني، ويحدث اضطراب في النوم والأكل والواجبات المدرسية، ليقع في دائرة مغلقة يصعب الخروج منها.
وقد أوجد كثير من أطباء الأطفال علاقة وطيدة بين الإفراط في استعمال الشاشات الإلكترونية والإصابة بالسمنة، وضعف البصر، والتبوّل اللاإرادي، واضطرابات طيف التوحّد، إضافة إلى فرط الحركة وقلّة التركيز.
والأخطر من ذلك أنّ الاستعمال المفرط للهاتف يؤثّر في خلايا الدماغ، ويُضعف القدرة على الحفظ والاستيعاب والفهم لدى الطفل، وتنعكس هذه التأثيرات مباشرة على نتائجه المدرسية، باعتبار أنّ التركيز يُعدّ شرطًا أساسيًا من شروط تعلّم القراءة والكتابة والحساب بسلاسة، ويمهّد طريق النجاح دون مُعرقلات.
ومع اقتران الهاتف بصعوبات التعلّم وضعف التركيز، يعتمد الأخصائيون في تقويم النطق أو التأهيل الوظيفي والحركي بروتوكولات علاجية تقوم أساسًا على إخراج الطفل من عالم الشاشات المضيئة — هواتف ولوحات رقمية — وقطع صلته بها، ولو مؤقتًا، وتدريبه على المهارات الذهنية والأنشطة اليدوية، بما في ذلك اللَّعب، لتحفيز خلايا الدّماغ على التفكير والعمل والتفاعل، بدل الاكتفاء بدور المُتلقّي السلبي للمحتوى الرقمي أو الألعاب الإلكترونية.
ولأنّ المخاطر المتعدّدة تستهدف جهاز التفكير وتضعه، مع مرور الوقت، في حالة إدمان وشلل وظيفيّ، فإنّه لا يمكن الاستهانة ببلوغ نسبة تقارب تسعين بالمائة من الأطفال  يستعملون الهاتف ويبحرون في عوالم لم يعد يخفى على أحد أنّ مضامينها مريبة ومُقلقة وصادمة، ما يدعو إلى مضاعفة الحيرة إزاء سُبل تطويق هذا الانفلات غير المؤطَّر في صفوف الأطفال.
لا يكمن الإشكال في استعمال التكنولوجيا لمواكبة العصر واكتساب مهارات رقمية نافعة للتعلّم، بقدر ما يكمن في هذا الإفراط اللاواعي على حساب الأنشطة اليدوية، وممارسة الهوايات، والمطالعة، والتواصل الأسري، وما ينجرّ عن ذلك من عواقب وخيمة قد تنتهي إلى ذهاب العقل، والفشل المدرسي، والوقوع في شِباك المتصيّدين، وهي مسؤولية الأسرة بدرجة أولى قبل أن تكون مسؤولية الآخر   .
وحيدة المي

تعليقات الفيسبوك