مع الشروق : منظومات إنتاج الغذاء في تونس .. إلى أين؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/27
في الأسابيع الأخيرة، جاء الدور في تونس على آخر «قلاع» الغذاء التي كان يتحصن بها التونسي تجاه الارتفاع الصاروخي لاسعار المعيشة وهي منظومة لحوم الدواجن. فقد التحقت هذه المنظومة الغذائية الهامة بركب القطاعات التي نخرها داء ارتباك الإنتاج و المضاربة والاحتكار والنقص وغلاء الأسعار بعد ان كانت الى حدود الأيام السابقة لشهر رمضان ملاذا للمواطن لتحقيق شيء من التوازن الغذائي والصحي الذي افتقده في المنتجات الاخرى لا سيما اللحوم الحمراء والاسماك والخضر والغلال ومشتقات الحليب والفواكه الجافة بسبب غلاء أسعارها..
حصن آخر من حصون الغذاء في بلادنا ينهار وتتزايد معه حيرة المواطن حول القادم في ظل وضع دولي اصبح يتّسم بتقلبات مثيرة منذ بداية الحرب الاخيرة. وبذلك يمكن القول ان جل المنظومات الغذائية او منظومات الإنتاج الفلاحي في بلادنا قد اصبحت مهددة بالانهيار ، وإن حصل ذلك – لا قدر الله – ستكون العواقب وخيمة على مختلف الأصعدة، اجتماعيا واقتصاديا وماليا. إذ لا شيء يضاهي من حيث القيمة التنموية، في أي دولة مهما كانت قوتها، استقرار انتاج الغذاء واستقرار اسعاره باعتبار ان الغذاء هو «الوقود» البشري الذي تتوقف عليه الحركية التنموية والتجارية والاقتصادية في البلاد.
قبل بضع سنوات، ظهرت بوادر تقلبات داخل منظومات الإنتاج الفلاحي والحيواني اهمها اللحوم الحمراء والحليب ومشتقاته والأسماك والخضر والغلال ومنظومة الاعلاف والصناعات الغذائية.. ولم تسلم نسبيا إلا منظومة الحبوب ومشتقاتها بحكم اعتمادها على التوريد المنظم من الدولة وبدرجة اقل منظومات زيت الزيتون والتمور التي نحظى أيضا باهتمام خاص باعتبار ارتباطها بالتصدير الذي يوفر العملة الصعبة لميزانية الدولة . وكانت النتيجة ضعف في الإنتاج وممارسات احتكارية وارتفاع صاروخي للأسعار.
على امتداد السنوات الأخيرة اطلق المختصون والخبراء التحذيرات من انهيار منظومات الإنتاج الفلاحي والغذائي، وعبر الناس عن مخاوفهم من القادم. غير ان تلك المخاوف لم تتبدّد بل تعمقت اكثر واصبح المواطن اليوم يواجه صعوبات للتزود بحاجياته من الغذاء بأسعار معقولة تعادل مقدرته الشرائية. فبعض الأسعار تضاعفت بنسب فاقت ال100 بالمائة في ظرف اشهر وبعض المواد الأخرى تغيب أحيانا عن السوق بسبب ضعف الانتاج او ما يرتكبه المحتكرون والمضاربون من «اجرام» غذائي للترفيع في الأسعار. وفي المقابل تواصل ارتباك وضعف الجهات الحكومية المعنية في التعاطي مع مختلف الازمات وغابت الشجاعة في القيام بإصلاحات جذرية جريئة تضرب بقوة على ايدي «مجرمي السوق» وتطور الإنتاج وتتحكم في الأسعار.
عندما وضعت الدولة في السنوات الأولى للاستقلال أسس منظومات الإنتاج الغذائي كانت الغاية من ذلك تحقيق الامن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والمعيشي وفرض السيادة الغذائية والتخلص من التبعية تجاه الخارج. وقد نجحت هذه المنظومات على امتداد عديد السنوات في تحقيق الغايات المنشودة منها خصوصا ان الدولة كانت متحكمة الى حد بعيد في تفاصيل تلك المنظومات عبر مؤسسات وهياكل حكومية وأيضا بالتعاون مع هياكل من داخل المهنة. حيث وقع احداث «الدواوين» الفلاحية ( ديوان الزيت وديوان الأراضي الدولية ) والمؤسسات العمومية في قطاع المصبرات الغذائية و»المجامع المهنية المشتركة « و»شركات الاحياء والتنمية الفلاحية « و»اتحاد الفلاحين « والنقابات الفلاحية القطاعية والغرف المهنية القطاعية داخل منظمة الأعراف ووكالة التنمية الفلاحية.. وكانت كلها تساهم في وفرة الانتاج واستقرار الأسعار إضافة إلى أجهزة رقابية قوية.
ومنذ 2011 تسرب الى هذه المنظومات بمختلف هياكلها «فيروس» المضاربة والاحتكار والرغبة في تحقيق الربح السريع، بل ان بعضها أصابه داء «التسييس» والحسابات الحزبية والمصالح الضيقة فانهارت واصبحت عاجزة اليوم عن القيام بدورها. وهو ما اصبح يحتم على الدولة الالتفات في أسرع وقت الى هذه الهياكل وانقاذها مما باتت تتخبط فيه من فساد وسوء تصرف وفرض تطبيق القوانين والإجراءات بقوة حتى تستعيد دورها في الاعتناء بمختلف منظومات الإنتاج الفلاحي وفي تحقيق الامن الغذائي والسيادة الغذائية خاصة من حيث وفرة الإنتاج وتعديل الاسعار والقيام بالاصلاحات الهيكلية الضرورية. أما مواصلة اتباع السياسات نفسها فانه سيؤدي الى انهيار تام لكل ما يتعلق بغذاء المواطن وهو ما ستكون له حتما عواقب وخيمة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فاضل الطياشي
في الأسابيع الأخيرة، جاء الدور في تونس على آخر «قلاع» الغذاء التي كان يتحصن بها التونسي تجاه الارتفاع الصاروخي لاسعار المعيشة وهي منظومة لحوم الدواجن. فقد التحقت هذه المنظومة الغذائية الهامة بركب القطاعات التي نخرها داء ارتباك الإنتاج و المضاربة والاحتكار والنقص وغلاء الأسعار بعد ان كانت الى حدود الأيام السابقة لشهر رمضان ملاذا للمواطن لتحقيق شيء من التوازن الغذائي والصحي الذي افتقده في المنتجات الاخرى لا سيما اللحوم الحمراء والاسماك والخضر والغلال ومشتقات الحليب والفواكه الجافة بسبب غلاء أسعارها..
حصن آخر من حصون الغذاء في بلادنا ينهار وتتزايد معه حيرة المواطن حول القادم في ظل وضع دولي اصبح يتّسم بتقلبات مثيرة منذ بداية الحرب الاخيرة. وبذلك يمكن القول ان جل المنظومات الغذائية او منظومات الإنتاج الفلاحي في بلادنا قد اصبحت مهددة بالانهيار ، وإن حصل ذلك – لا قدر الله – ستكون العواقب وخيمة على مختلف الأصعدة، اجتماعيا واقتصاديا وماليا. إذ لا شيء يضاهي من حيث القيمة التنموية، في أي دولة مهما كانت قوتها، استقرار انتاج الغذاء واستقرار اسعاره باعتبار ان الغذاء هو «الوقود» البشري الذي تتوقف عليه الحركية التنموية والتجارية والاقتصادية في البلاد.
قبل بضع سنوات، ظهرت بوادر تقلبات داخل منظومات الإنتاج الفلاحي والحيواني اهمها اللحوم الحمراء والحليب ومشتقاته والأسماك والخضر والغلال ومنظومة الاعلاف والصناعات الغذائية.. ولم تسلم نسبيا إلا منظومة الحبوب ومشتقاتها بحكم اعتمادها على التوريد المنظم من الدولة وبدرجة اقل منظومات زيت الزيتون والتمور التي نحظى أيضا باهتمام خاص باعتبار ارتباطها بالتصدير الذي يوفر العملة الصعبة لميزانية الدولة . وكانت النتيجة ضعف في الإنتاج وممارسات احتكارية وارتفاع صاروخي للأسعار.
على امتداد السنوات الأخيرة اطلق المختصون والخبراء التحذيرات من انهيار منظومات الإنتاج الفلاحي والغذائي، وعبر الناس عن مخاوفهم من القادم. غير ان تلك المخاوف لم تتبدّد بل تعمقت اكثر واصبح المواطن اليوم يواجه صعوبات للتزود بحاجياته من الغذاء بأسعار معقولة تعادل مقدرته الشرائية. فبعض الأسعار تضاعفت بنسب فاقت ال100 بالمائة في ظرف اشهر وبعض المواد الأخرى تغيب أحيانا عن السوق بسبب ضعف الانتاج او ما يرتكبه المحتكرون والمضاربون من «اجرام» غذائي للترفيع في الأسعار. وفي المقابل تواصل ارتباك وضعف الجهات الحكومية المعنية في التعاطي مع مختلف الازمات وغابت الشجاعة في القيام بإصلاحات جذرية جريئة تضرب بقوة على ايدي «مجرمي السوق» وتطور الإنتاج وتتحكم في الأسعار.
عندما وضعت الدولة في السنوات الأولى للاستقلال أسس منظومات الإنتاج الغذائي كانت الغاية من ذلك تحقيق الامن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والمعيشي وفرض السيادة الغذائية والتخلص من التبعية تجاه الخارج. وقد نجحت هذه المنظومات على امتداد عديد السنوات في تحقيق الغايات المنشودة منها خصوصا ان الدولة كانت متحكمة الى حد بعيد في تفاصيل تلك المنظومات عبر مؤسسات وهياكل حكومية وأيضا بالتعاون مع هياكل من داخل المهنة. حيث وقع احداث «الدواوين» الفلاحية ( ديوان الزيت وديوان الأراضي الدولية ) والمؤسسات العمومية في قطاع المصبرات الغذائية و»المجامع المهنية المشتركة « و»شركات الاحياء والتنمية الفلاحية « و»اتحاد الفلاحين « والنقابات الفلاحية القطاعية والغرف المهنية القطاعية داخل منظمة الأعراف ووكالة التنمية الفلاحية.. وكانت كلها تساهم في وفرة الانتاج واستقرار الأسعار إضافة إلى أجهزة رقابية قوية.
ومنذ 2011 تسرب الى هذه المنظومات بمختلف هياكلها «فيروس» المضاربة والاحتكار والرغبة في تحقيق الربح السريع، بل ان بعضها أصابه داء «التسييس» والحسابات الحزبية والمصالح الضيقة فانهارت واصبحت عاجزة اليوم عن القيام بدورها. وهو ما اصبح يحتم على الدولة الالتفات في أسرع وقت الى هذه الهياكل وانقاذها مما باتت تتخبط فيه من فساد وسوء تصرف وفرض تطبيق القوانين والإجراءات بقوة حتى تستعيد دورها في الاعتناء بمختلف منظومات الإنتاج الفلاحي وفي تحقيق الامن الغذائي والسيادة الغذائية خاصة من حيث وفرة الإنتاج وتعديل الاسعار والقيام بالاصلاحات الهيكلية الضرورية. أما مواصلة اتباع السياسات نفسها فانه سيؤدي الى انهيار تام لكل ما يتعلق بغذاء المواطن وهو ما ستكون له حتما عواقب وخيمة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فاضل الطياشي