مع الشروق : معضلة التوجيه ونزيف الدراسة في الخارج

مع الشروق : معضلة التوجيه ونزيف الدراسة في الخارج

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/05

فرحة الباكالوريا، تزامنها غصرة التوجيه الجامعي، ووزارة التعليم العالي تقدم سنويا دلليها للتوجيه الجامعي، لكنه لا يستجيب في كثير من الحالات لرغبات الناجحين و يكون التعليل دائما هو طاقة الاستيعاب، وهو تعليل منذ سنوات طويلة ولم نشهد ما يوازيه من توسيع لطاقة الاستيعاب خاصة في الاختصاصات التي تشكل حلم طيف واسع من التلاميذ المتميّزين. 
المشكلة أن التوجيه الذي يحدد مستقبل أبنائنا التلاميذ صار مشكلة كبرى للتلاميذ المعنيين و للعائلات و للدولة نفسها التي باتت تعاني من نزيف العملة الصعبة نتيجة رغبة الأسر في البحث عن الاختصاصات التي حرم منها أبناؤها. و تعد الاختصاصات الطبية هي أحد أهم الاختصاصات التي تتكسر عليها أحلام الكثيرين رغم زيادة نسبة الموجهين إليها في السنة الماضية ب30 في المائة، ومع ذلك فإن هذه المهن المستقبلية التي يحتاجها العالم و تحتاجها تونس نظرا لحاجة البلاد لكافة الاختصاصات الطبية و نتيجة الشروع في تنفيذ مشاريع كبرى في المجال الصحي منها المشروع الضخم المدينة الطبية بالقيروان، و الذي سيحتاج إلى الآلاف من المختصين في المهن الطبية. فإذا كانت فترة تكوين الطبيب تتراوح بين 10 و 12 سنة، فذلك يعني أنه يجب البدء من الآن في تكوين الإطار الطبي اللازم. و الحقيقة المؤلمة هي أن أعداد الحاصلين على معدلات مرتفعة في الباكالوريا اصبح ضخما و معه أصبح مطلوبا بعث كليات جديدة في الطب و الصيدلة و طب الأسنان حتى نرفع من طاقة الاستيعاب، فنغطي حاجة السوق الداخلية و نصدر العقول و الكفاءات إلى الخارج بما أن هذه المهن ومنذ أزمة كورونا تشهد إقبالا عالميا. 
الآن علينا التفكير في إيجاد الحلول العاجلة قبل بدء مسار التوجيه الجامعي ولم لا مضاعفة الموجهين للاختصاصات الطبية برمتها، ثم التفكير في مضاعفة المؤسسات الجامعية التكوينية المختصة. لأن البديل هو نزيف قد يصل إلى  مئات الملايين من الدينارات التي تخسرها الدولة و العائلات سنويا نتيجة سدّ الآفاق محليا أمام طموحات أبنائنا التلاميذ.   إذ تُشير الإحصائيات الرسمية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى أن أكثر من 10 % من إجمالي الطلبة التونسيين يزاولون دراستهم في جامعات خارج تونس، وهو ما يعادل أكثر من 30 ألف طالب. وفي كل موسم جامعي، يغادر تونس أكثر من 5 آلاف طالب جديد لمواصلة تعليمهم العالي في الخارج. وهذه الأرقام كفيلة لو دققنا في كلفتها المالية سنجد أنها قادرة على بناء كليات جديدة في الاختصاصات الطبية كافة، وهي قادة على توسيع قاعدة الكفاءات التونسية المتميزة دوما في اسواق الشغل الخارجية. وهذا الوضع يحتاج تدخلا رئاسيا عاجلا، لوقف النزيف المالي، ثم للحفاظ على هذه العقول النيرة، لأن كثيرا من الذين يغادرون البلاد بعد فرحة الباكالوريا و أزمة التوجيه الجامعي، هم في الأساس يغادرون في قلوبهم حزنا على بلد لم يوفر لهم فرصة التعلم الجامعي في احضان وطنهم و العديد منهم يقرر  المغادرة النهائية، وفي هذا خسارة كبرى للبلاد، سببه الأول و الأخير هو "حجة " طاقة الاستيعاب المزمنة. 
كمال بالهادي 
 

تعليقات الفيسبوك