مع الشروق : لماذا تراجع ترامب عن «الضربة الكبرى» لإيران؟

مع الشروق : لماذا تراجع ترامب عن «الضربة الكبرى» لإيران؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/04

بعد لحظة بدت وكأنها تمهّد لواحدة من أخطر المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط منذ عقود، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التراجع عن تنفيذ "ضربة كبرى" ضد إيران، وصفت بأنها ستكون الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.
هذا التراجع المفاجئ لم يكن حدثا عابرا، بل كشف عن معركة أخرى كانت تدور خلف الكواليس، بين دعاة الحرب (الصهاينة) وأنصار الاحتواء (الوسطاء ودول الخليج)، وبين الحسابات العسكرية القاسية والمصالح الاقتصادية والسياسية التي يصعب تجاهلها.
ورغم أن الرواية التي قدمها ترامب ركزت على منح فرصة لما وصفه بـ"اتفاق سري" يمكن أن يفضي إلى تهدئة التوتر وفتح باب التفاهم مع طهران، إلا أن السلطات الإيرانية سارعت إلى نفي وجود أي اتفاق من هذا النوع، مؤكدة أنها لم تدخل في مفاوضات سرية مع واشنطن، وهو ما زاد الغموض حول حقيقة ما جرى خلف الكواليس.
الثابت أن قرار التراجع لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل عدّة اعتبارات إقليمية ودولية، فمن جهة لعبت وساطات إقليمية دورا في تخفيف حدة التصعيد، حيث تحرّكت أطراف عدة لإقناع واشنطن وطهران بتجنب مواجهة مفتوحة قد تشعل المنطقة بأسرها، كما مارست دول خليجية ضغوطا على الإدارة الأمريكية، انطلاقا من خشيتها من أن تكون أراضيها ومنشآتها الحيوية أول أهداف الرد الإيراني في حال اندلاع الحرب.
هذه المخاوف الخليجية استندت على تقديرات عسكرية تؤكد أن أي هجوم أمريكي واسع على إيران لن يمرّ دون رد، خاصة في ظل امتلاك طهران شبكة واسعة من الحلفاء والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وفي السياق ذاته تشير تحليلات إلى أن القواعد الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى منشآت الطاقة والموانئ والبنية التحتية في عدد من الدول الخليجية، كانت ستصبح ضمن دائرة الخطر، وهو ما قد يترتب عليه خسائر اقتصادية وأمنية ضخمة تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية.
كما أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، كان حاضرا بقوة في حسابات صناع القرار، فإغلاق المضيق أو تعطل الملاحة فيه، ولو لفترة محدودة، كان سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، ويهدد سلاسل الإمداد العالمية، ويزيد الضغوط على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وهي سيناريوهات لم تكن الإدارة الأمريكية راغبة في تحمل تبعاتها.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال البعد الداخلي الأمريكي، فترامب الذي يحرص على تقديم نفسه باعتباره رئيسا قادرا على حماية المصالح الأمريكية دون التورّط في حروب طويلة ومكلفة، يدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تتحوّل إلى صراع مفتوح يصعب احتواؤه.
كما أن الدخول في حرب جديدة قد يثير انقسامات داخلية ويؤثر في المزاج السياسي والاقتصادي داخل الولايات المتحدة، وهو ما يجعل خيار التهدئة أكثر جاذبية من المغامرة العسكرية.
مراقبون أيضا رأوا أن إعلان ترامب عن إلغاء الضربة قد يكون أيضا جزءا من استراتيجية تقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط النفسي والسياسي على إيران، مع الإبقاء على الخيار العسكري مطروحا دون اللجوء إليه فعليا، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات مثل البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي وأمن الملاحة في الخليج.
في المقابل، تؤكد إيران أنها لن تتفاوض تحت التهديد، وأن سياسة الضغوط القصوى لن تدفعها إلى تغيير مواقفها، لذلك تبدو فرص التوصل إلى تفاهمات حقيقية مرهونة بقدرة الطرفين على تجاوز حالة انعدام الثقة، وإيجاد أرضية مشتركة تضمن مصالحهما وتجنب المنطقة حربا ستكون كلفتها باهظة على الجميع.
وفي المحصلة، يبدو أن قرار إلغاء "الضربة الكبرى" لم يكن تعبيرًا عن تراجع في الموقف الأمريكي بقدر ما كان انعكاسا لحسابات معقدة جمعت بين الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والداخلية.
بدرالدّين السّيّاري
 

تعليقات الفيسبوك