مع الشروق : لماذا المرأة في قلب الأزمة وشمّاعة الأزمات؟

مع الشروق : لماذا المرأة في قلب الأزمة وشمّاعة الأزمات؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/08

على أبواب عيد المرأة، تتحرك صفحات وحسابات على فيسبوك لتتداول أرقاما صادمة عن ملايين التونسيات غير المتزوجات، وتقدّم العزوف عن الزواج وارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري والعلاقات الحرة باعتبارها نتائج مباشرة لما يُقدَّم على أنه «إفراط» في تحرير المرأة، أسّس له الحبيب بورقيبة.
وفي قلب هذا الخطاب تقف القوانين المساندة للمرأة، أمًّا وأختا وزوجة وبنتا، والتي منحتها موقعا أكثر استقلالا داخل الأسرة والمجتمع، وكذلك مجلة الأحوال الشخصية، وكأنها المتهم الأول بانحراف النموذج التقليدي للمرأة، بل وتحميلها مسؤولية أزمة الأسرة وأزمة المجتمع وأزمة العزوف عن الزواج نفسه.
هذه الهجمات الافتراضية على المرأة تتحين الفرص وتتصيد الزلات، من الشارع إلى مدارج المهرجانات والملاعب الرياضية، وتوظف لباسها وسلوكها وممارساتها وردود أفعالها وتعاطيها مع بعض القضايا والمواقف، وتستغل حتى حضورها في الفضاء الخاص، لتشهّر بها صوتا وصورة، وتعيد الأسطوانة نفسها حول السقف العالي الذي بلغته من الحريات على أنه وراء «تفسخها الاجتماعي» وانهيار القيم و«فساد الحال».
وتُدار بذلك الأسطوانة القديمة نفسها أيضا بأن  الحبيب بورقيبة  فتح عينيها على الحريات والحقوق، ومجلة الأحوال الشخصية  «علمتها الصفاقة والانحلال»، لتصبح، في نظر أحادي النظرة، شمّاعة للأزمات ومسؤولة عن أهم الأمراض الاجتماعية، من الطلاق وتأخر سن الزواج إلى عزوف الشباب عنه، دون العودة إلى أصل الداء المشترك بين الجنسين، وهو داء ثقافي واجتماعي وسياسي بالأساس.
والأخطر أن هذه السردية لا تكتفي بانتقاد بعض مظاهر الواقع، وإنما تنقل النقاش من محاولة فهم الظاهرة إلى استهداف حقوق المرأة ومحاكمتها، بمعزل عن قراءة هذه الظواهر في علاقتها بالبطالة، وغلاء السكن، وتراجع المقدرة الشرائية، وتغير أنماط العيش، وارتفاع سن الزواج، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، فضلا عن المفارقة التي يعيشها كثير من التونسيين بين الميل إلى المرأة المتحررة ورفض الاقتران بها، وبين الرغبة في تشريكها في بناء الأسرة وانتقاد استقلالها الاقتصادي في الوقت نفسه.
ويظل الجدل قائما حول قانون أفضى، في نظر منتقديه، إلى «استقواء» المرأة، وحول حقوق حادت بها عن النموذج التونسي، في بكائية مزمنة على «امرأة الزمن الجميل». ورغم اختلاف الأنظمة والخطابات والسياقات، نجت مجلة الأحوال الشخصية من محاولات كثيرة للالتفاف حولها، خاصة بعد الثورة، وصمدت في وجه دعوات طالبت بمراجعة قوانين وُصفت بأنها «ظالمة للرجل».
لتظل قضية المرأة ساحة سجال سياسي وفكري وإيديولوجي مستمر، ومعركة انتقلت، في زمن شبكات التواصل الاجتماعي، من المنابر السياسية إلى صفحات فيسبوك تضخّم الأرقام وتوظفها، وتنتقي الوقائع، وتحوّل الظواهر الشاذة والمحدودة إلى قاعدة عامة، تنتهي في الأخير إلى إثبات أن حريتها هي أصل المشكلة، بل إنها هي نفسها أصل الداء.
غير أن المرأة التونسية ليست مطالبة بالدفاع عن نفسها في كل مرة يفشل فيها المجتمع في تفسير تحولاته، وتفشل الأنظمة في إيجاد الحلول لأزمات اجتماعية ثقيلة. فهي اليوم تتصدر عديد المواقع وتحرز نجاحات وطنيا وعالميا، وباتت عنوانا للنجاح والتميز والريادة في المال والأعمال والعلم. ومن المؤسف جدا أن يتحوّل التراجع عن الزواج، والعزوبة، والطلاق إلى امتحان لاختبار نجاحها أخلاقيا وقيميا، ودليلا على فشلها في بناء حياة مشتركة وأسرة متوازنة.
وفي ظل تحولات قيمية وأزمات فرضها مجتمع الاستهلاك الحر، و«حسابات» الأنظمة السياسية، لم تنج المرأة بعد من مصيدة استعمالها ورقة سياسية بامتياز، دون الوعي بقيمتها الجوهرية وقدرتها على الإسهام في تغيير المجتمع نحو الأفضل أو الأسوأ.
وحيدة المي 
 

تعليقات الفيسبوك