مع الشروق : لبنان أو اللاّ صفقة

مع الشروق : لبنان أو اللاّ صفقة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/02

لم يعد الحديث عن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران مقتصراً على الملف النووي أو نسب تخصيب اليورانيوم، بل بات يتجاوز ذلك إلى شبكة معقدة من الملفات الإقليمية المتشابكة التي ترى طهران أنها مترابطة ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض.
وفي قلب هذه المعادلة يقف لبنان بوصفه حجر زاوية في أي تسوية مرتقبة، إلى درجة يمكن معها القول إن لبنان أصبح بالنسبة لإيران جزءاً من معادلة «الصفقة أو اللا صفقة».
فبينما تسعى واشنطن إلى التوصل إلى تفاهم يضمن ضبط البرنامج النووي الإيراني وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة في المنطقة، تصر طهران على أن أي اتفاق مستدام يجب أن يتناول مجمل ساحات الاشتباك المفتوحة، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.
فإيران تنظر إلى لبنان باعتباره أحد أهم عناصر التوازن الإقليمي، وترى أن تجاهل الاعتداءات الصهيونية المتواصلة عليه أو استثنائه من أي ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، يعني عملياً منح الاحتلال حرية الحركة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية بعيداً عن أي قيود.
في المقابل، يبدو الاحتلال متمسكا برؤية مختلفة تماماً، فهو يفضل إخراج لبنان من أي تفاوض شامل بين واشنطن وطهران، أو على الأقل الحصول على ضمانات تتيح له مواصلة عملياته الاجرامية والوحشية داخل الأراضي اللبنانية تحت ذريعة مواجهة حزب الله.
ومن وجهة النظر الصهيونية، فإن أي اتفاق يقيّد حركة الاحتلال في لبنان قد يحد من قدرته على التأثير في موازين القوى الإقليمية ويمنح محور المقاومة مساحة إضافية لإعادة ترتيب أوراقه.
هذا التناقض يضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق ثلاثي الأبعاد، فالمسألة الأولى تتعلّق بمصير اليورانيوم المخصب ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وهو الملف الذي يمثل جوهر المفاوضات التقليدية بين الطرفين. 
أما المسألة الثانية فتتصل بأمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، فيما تتمثل العقدة الثالثة، وربما الأكثر تعقيداً سياسياً، في جبهة لبنان وما يرتبط بها من حسابات أمنية واستراتيجية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية نفسها.
وتعزّز التصريحات والتسريبات الأخيرة هذا الانطباع، فقد نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية أن استمرار ما تصفه طهران بالجرائم الصهيونية في لبنان قد يدفعها إلى وقف تبادل الرسائل والمحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، مؤكدة أن الملف اللبناني كان جزءاً من الشروط المسبقة المرتبطة بأي وقف شامل لإطلاق النار أو تهدئة إقليمية واسعة.
ويعكس هذا الموقف حجم الأهمية التي توليها إيران للساحة اللبنانية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال العقود الماضية.
في الوقت ذاته، تلوح طهران وحلفاؤها بأوراق ضغط إضافية تتجاوز حدود لبنان، فقد أدرجت قوى المقاومة وإيران، وفق ما يتم تداوله في الأوساط السياسية والإعلامية، خيارات تصعيدية تشمل الإغلاق الكامل لمضيق هرمز وتفعيل جبهات أخرى في المنطقة، بما في ذلك مضيق باب المندب، كجزء من استراتيجية تهدف إلى رفع كلفة أي مواجهة مفتوحة ومعاقبة الاحتلال والدول الداعمة له.
لذلك، يبدو أن مستقبل أي اتفاق أمريكي ـ إيراني لن يتوقف فقط على أجهزة الطرد المركزي أو كميات اليورانيوم المخصب، بل أيضاً على قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى صيغة تعالج الملفات الإقليمية الأكثر حساسية،  وفي مقدمة هذه الملفات يأتي لبنان الذي تحول من ساحة جانبية في الصراعات الإقليمية إلى عنصر مركزي في هندسة أي تسوية قادمة.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة الإيرانية بوضوح، لا يمكن بناء اتفاق مستقر في المنطقة مع ترك لبنان خارج المعادلة، أما الاحتلال فيرى العكس تماماً. 
وبين هذين الموقفين المتعارضين تجد واشنطن نفسها أمام اختبار بالغ الصعوبة، حيث قد يتحول لبنان من مجرد بند تفاوضي إلى العامل الحاسم الذي يحدد نجاح الصفقة أو سقوطها بالكامل.
بدرالدّين السّيّاري

تعليقات الفيسبوك