مع الشروق : كأس العالـم للشرف والعزّة والنخوة... لمصر
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/08
بين الرياضة والسياسة والمشاعر الانسانية لا يوجد خطّ فاصل. وقبل الرياضة وقبل مباريات كرة القدم وبعدها إما أن يكون الرياضي واللاعب انسانا صاحب فكر وقيم ومبادئ فيرتفع ويسمو ويرفعه الجمهور إلى أعلى المراتب، وإما أن يكون عبارة عن كومة لحم تركض وراء كرة ملئت هواء مثلما ملئت رأسه هواء وفراغا وخواء.
ولأن الكرة أيضا سياسة ومشاعر انسانية ووطنية فإنها أقدر شيء على شحن الجماهير وعلى تعبئة الناس حول الراية الوطنية.. وأيضا حول القضايا الانسانية العادلة.. وأية قضية أعدل من قضية الشعب الفلسطيني.. من هنا تحولت تظاهرة كأس العالم إلى حلبة تتصارع فيها الرايات والدول والألوان.. وتتصارع فيها أيضا الأفكار والمواقف والمصالح.. وهناك خلال هذه التظاهرة من برز كمثال سيء ساقط.. وهناك من برز كمثال جيد وكنموذج يحتذى وكموقف يثمّن ويحفظه التاريخ وتحفظه ذاكرة الشعوب.
الرئيس الأمريكي ترامب الذي تستضيف بلاده نصيب الأسد من مباريات كأس العالم حرص على تأكيد أنه لا فاصل بين الكرة والسياسة والمصالح الضيقة.. لكنه وبالمناسبة حرص على تجسيد المثال السيء للسياسي الذي يتخلى عن القيم والمبادئ ويمارس السقوط القيمي والأخلاقي في أفظع مظاهرة. الرئيس الأمريكي ارتأى وبلاده تحتضن العرس الرياضي الكوني أن ينحر قيم الأخلاق ومبادئ الرياضة وأسس التنافس الشريف والنزيه عندما هاتف «صديقه» جياني انفانتينو رئيس ـ الفيفا ـ داعيا إياه إلى إلغاء العقوبة المسلّطة على أحد لاعبي الفريق الأمريكي والتي كانت ستحرمه من الظهور في مباراة الدور السادس عشر أمام نظيره البلجيكي.. وبالفعل فإن ـ صديقه ـ رئيس الفيفا الذي سبق وأن توجّه بجائزة الفيفا للسلام (2024) لم يتخلف عن دوس قوانين الفيفا التي يرأسها ومعها القيم الأخلاقية والرياضية التي تنظم سير المباريات الرياضية.. ليسارع بإلغاء العقوبة وينزل اللاعب لتمثيل بلاده في المباراة المعنية.. ولأن عدالة الكرة موجودة فقد خسر الفريق الأمريكي المدعم بهذا «العصفور النادر» الذي تدخل ترامب لالغاء عقوبته برباعية كاملة.. وبذلك خرج الفريق الأمريكي من التظاهرة يجرّ أذيال الخيبة ومعه خرج رئيس أمريكا مهزوما مكسور الوجدان وخرج معهما رئيس الفيفا بفضيحة ستدمر مستقبله على رأس هذا الهيكل الرياضي.
مقابل هذا السقوط المدوي وهذا المثال السيء برز ـ حسام حسن ـ مدرب المنتخب المصري ليعطي المثال الجيد وليجسد حقيقة ومعنى وروح القيم الرياضية التي تجعل الرياضي انسانا قبل كل شيء.. وتجعل مكوّن الأجيال والشباب متشبعا بالقيم والمبادئ لينثرها وينشرها في محيطه وعلى أبنائه.. وتجعله كذلك جريئا، شهما، شجاعا قادرا على ابداء رأيه وبسط أفكاره ومبادئه والدفاع عنها والاقناع بها.. المدرب المصري الذي سبق أن رفع علم فلسطين وجال به في ملعب المباراة اثر فوز بلاده على أستراليا وعبورها إلى الدور الموالي سئل قبيل مباراة منتخب مصر أمام الأرجنتين عن دوافع موقفه ذاك.. لم يتردد الناخب المصري في إعطاء درس للبشرية على الهواء بكلام صادق وبعبارات مؤثرة وبحجج دامغة متجاوزا بذلك هراء الاف السياسيين وخطبهم الرنانة الجوفاء وعباراتهم الخشبية التي سرعان ما تذروها الرياح قبل حتى أن تبلغ اذان السامعين.
حسام حسن، نزع للحظات بدلة المدرب الرياضي ولبس ثوب المحامي عن القضية الفلسطينية وعن أبناء غزة وأبناء فلسطين عموما. وكما كان حسام حسن مبدعا في الميدان لاعبا ومدربا فقد كان مبدعا وهو يدافع عن المطحونين المحرومين المعذبين في غزة. حدثهم عن شعب يعيش في الخيام، يأكل في الخيام، ينام في الخيام.. تلسعه نفحات البرد وزخّات المطر في الخيام.. هناك في عزة حيث لا مفر من الجوع والبرد والعذاب والدمار ولا مهرب من صواريخ العدو التي تحول الشهداء من أطفال وشيوخ ونساء وكهول إلى مجرّد أرقام يتداولها مذيعون ومذيعات باردون على شاشات خشبية.. أرقام تحول الانسان إلى شيء تؤثث به نشرات الأخبار وإلى مادة لأحاديث عابرة فيما يتنعم العالم بالأكل والشرب وطيب العيش ويختفي وراء مكيفات الهواء غير عابئ بمأساة ملايين البشر في غزة وفي فلسطين المحتلة.
حسام حسن طوّع اللحظة ليعطيها طابعا انسانيا ويعبئها بمشاعر انسانية جيّاشة لعلها هي التي تجعل الرياضي انسانا قبل كونه أداة للطم الكرة والركض وراءها.. وتجعل الرياضي أولا وأخيرا حامل قيم وأفكار ومبادئ ومسؤولا عن انسانيته قبل أن يكون مسؤلا عن أدائه الرياضي وعن كلام الربح والخسارة.
حسام حسن ارتقى إلى لحظة انسانية رائعة ورائدة لا يطالها ولا ينالها إلا صاحب القيم والمبادئ ومن كانت الجرأة والشجاعة والشهامة أسلحته «الفتاكة» التي يخوض بها المقابلات ويقهر بها الخصوم ويحقق بها الفوز والتألق.. حسام حسن لقد رفعت رؤوس المصريين عاليا ورفعت راية مصر عالية خفاقة ورفعت رؤوس كل العرب والمسلمين والأفارقة وكل أحرار العالم وأعطيت للعالم أجمع درسا بليغا في النبل والجرأة والشجاعة والاستماتة في الدفاع عن المبدإ وعن الفكرة تماما مثل الاستماتة في الدفاع عن ألوان البلد في المنازلات الرياضية.
وبهذه المعاني فقد توجت بعد بكأس العالم الحقيقية وجلبت لمصر وللعرب وللأفارقة كأسا عالمية يباهون بها كل شعوب العالم.. انها كأس العالم للشرف وللعزّة والنخوة..
حسام حسن شكرا لقد جعلتنا نفخر ونرفع رؤوسنا بك وبفريقك.. وألف شكر على هذا الدرس البليغ في الانحياز لقيم الحق وللقضايا العادلة.. وأية قضية أعدل من قضية شعبنا الفلسطيني؟
عبد الحميد الرياحي
بين الرياضة والسياسة والمشاعر الانسانية لا يوجد خطّ فاصل. وقبل الرياضة وقبل مباريات كرة القدم وبعدها إما أن يكون الرياضي واللاعب انسانا صاحب فكر وقيم ومبادئ فيرتفع ويسمو ويرفعه الجمهور إلى أعلى المراتب، وإما أن يكون عبارة عن كومة لحم تركض وراء كرة ملئت هواء مثلما ملئت رأسه هواء وفراغا وخواء.
ولأن الكرة أيضا سياسة ومشاعر انسانية ووطنية فإنها أقدر شيء على شحن الجماهير وعلى تعبئة الناس حول الراية الوطنية.. وأيضا حول القضايا الانسانية العادلة.. وأية قضية أعدل من قضية الشعب الفلسطيني.. من هنا تحولت تظاهرة كأس العالم إلى حلبة تتصارع فيها الرايات والدول والألوان.. وتتصارع فيها أيضا الأفكار والمواقف والمصالح.. وهناك خلال هذه التظاهرة من برز كمثال سيء ساقط.. وهناك من برز كمثال جيد وكنموذج يحتذى وكموقف يثمّن ويحفظه التاريخ وتحفظه ذاكرة الشعوب.
الرئيس الأمريكي ترامب الذي تستضيف بلاده نصيب الأسد من مباريات كأس العالم حرص على تأكيد أنه لا فاصل بين الكرة والسياسة والمصالح الضيقة.. لكنه وبالمناسبة حرص على تجسيد المثال السيء للسياسي الذي يتخلى عن القيم والمبادئ ويمارس السقوط القيمي والأخلاقي في أفظع مظاهرة. الرئيس الأمريكي ارتأى وبلاده تحتضن العرس الرياضي الكوني أن ينحر قيم الأخلاق ومبادئ الرياضة وأسس التنافس الشريف والنزيه عندما هاتف «صديقه» جياني انفانتينو رئيس ـ الفيفا ـ داعيا إياه إلى إلغاء العقوبة المسلّطة على أحد لاعبي الفريق الأمريكي والتي كانت ستحرمه من الظهور في مباراة الدور السادس عشر أمام نظيره البلجيكي.. وبالفعل فإن ـ صديقه ـ رئيس الفيفا الذي سبق وأن توجّه بجائزة الفيفا للسلام (2024) لم يتخلف عن دوس قوانين الفيفا التي يرأسها ومعها القيم الأخلاقية والرياضية التي تنظم سير المباريات الرياضية.. ليسارع بإلغاء العقوبة وينزل اللاعب لتمثيل بلاده في المباراة المعنية.. ولأن عدالة الكرة موجودة فقد خسر الفريق الأمريكي المدعم بهذا «العصفور النادر» الذي تدخل ترامب لالغاء عقوبته برباعية كاملة.. وبذلك خرج الفريق الأمريكي من التظاهرة يجرّ أذيال الخيبة ومعه خرج رئيس أمريكا مهزوما مكسور الوجدان وخرج معهما رئيس الفيفا بفضيحة ستدمر مستقبله على رأس هذا الهيكل الرياضي.
مقابل هذا السقوط المدوي وهذا المثال السيء برز ـ حسام حسن ـ مدرب المنتخب المصري ليعطي المثال الجيد وليجسد حقيقة ومعنى وروح القيم الرياضية التي تجعل الرياضي انسانا قبل كل شيء.. وتجعل مكوّن الأجيال والشباب متشبعا بالقيم والمبادئ لينثرها وينشرها في محيطه وعلى أبنائه.. وتجعله كذلك جريئا، شهما، شجاعا قادرا على ابداء رأيه وبسط أفكاره ومبادئه والدفاع عنها والاقناع بها.. المدرب المصري الذي سبق أن رفع علم فلسطين وجال به في ملعب المباراة اثر فوز بلاده على أستراليا وعبورها إلى الدور الموالي سئل قبيل مباراة منتخب مصر أمام الأرجنتين عن دوافع موقفه ذاك.. لم يتردد الناخب المصري في إعطاء درس للبشرية على الهواء بكلام صادق وبعبارات مؤثرة وبحجج دامغة متجاوزا بذلك هراء الاف السياسيين وخطبهم الرنانة الجوفاء وعباراتهم الخشبية التي سرعان ما تذروها الرياح قبل حتى أن تبلغ اذان السامعين.
حسام حسن، نزع للحظات بدلة المدرب الرياضي ولبس ثوب المحامي عن القضية الفلسطينية وعن أبناء غزة وأبناء فلسطين عموما. وكما كان حسام حسن مبدعا في الميدان لاعبا ومدربا فقد كان مبدعا وهو يدافع عن المطحونين المحرومين المعذبين في غزة. حدثهم عن شعب يعيش في الخيام، يأكل في الخيام، ينام في الخيام.. تلسعه نفحات البرد وزخّات المطر في الخيام.. هناك في عزة حيث لا مفر من الجوع والبرد والعذاب والدمار ولا مهرب من صواريخ العدو التي تحول الشهداء من أطفال وشيوخ ونساء وكهول إلى مجرّد أرقام يتداولها مذيعون ومذيعات باردون على شاشات خشبية.. أرقام تحول الانسان إلى شيء تؤثث به نشرات الأخبار وإلى مادة لأحاديث عابرة فيما يتنعم العالم بالأكل والشرب وطيب العيش ويختفي وراء مكيفات الهواء غير عابئ بمأساة ملايين البشر في غزة وفي فلسطين المحتلة.
حسام حسن طوّع اللحظة ليعطيها طابعا انسانيا ويعبئها بمشاعر انسانية جيّاشة لعلها هي التي تجعل الرياضي انسانا قبل كونه أداة للطم الكرة والركض وراءها.. وتجعل الرياضي أولا وأخيرا حامل قيم وأفكار ومبادئ ومسؤولا عن انسانيته قبل أن يكون مسؤلا عن أدائه الرياضي وعن كلام الربح والخسارة.
حسام حسن ارتقى إلى لحظة انسانية رائعة ورائدة لا يطالها ولا ينالها إلا صاحب القيم والمبادئ ومن كانت الجرأة والشجاعة والشهامة أسلحته «الفتاكة» التي يخوض بها المقابلات ويقهر بها الخصوم ويحقق بها الفوز والتألق.. حسام حسن لقد رفعت رؤوس المصريين عاليا ورفعت راية مصر عالية خفاقة ورفعت رؤوس كل العرب والمسلمين والأفارقة وكل أحرار العالم وأعطيت للعالم أجمع درسا بليغا في النبل والجرأة والشجاعة والاستماتة في الدفاع عن المبدإ وعن الفكرة تماما مثل الاستماتة في الدفاع عن ألوان البلد في المنازلات الرياضية.
وبهذه المعاني فقد توجت بعد بكأس العالم الحقيقية وجلبت لمصر وللعرب وللأفارقة كأسا عالمية يباهون بها كل شعوب العالم.. انها كأس العالم للشرف وللعزّة والنخوة..
حسام حسن شكرا لقد جعلتنا نفخر ونرفع رؤوسنا بك وبفريقك.. وألف شكر على هذا الدرس البليغ في الانحياز لقيم الحق وللقضايا العادلة.. وأية قضية أعدل من قضية شعبنا الفلسطيني؟
عبد الحميد الرياحي