مع الشروق : غطرسة «الفيزا » !

مع الشروق : غطرسة «الفيزا » !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/19

ليست المرة الأولى التي تُخيب فيها الولايات المتحدة آمال من صدّقوا خطابها المنادي بالحريات، ولا هي المرّة الأولى التي تدير فيها ظهرها لقيمٍ طالما رفعتها شعارا فوق المنابر الدولية ،  فقرارها الأخير بتشديد أو تعليق تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة يكشف بوضوح تام حجم التناقض الصارخ بين «البروباغندا» التي تروجها أمريكا عن نفسها كواحة للديمقراطية، وبين ممارساتها الواقعية حين تضيق الدائرة وتطغى الحسابات البراغماتية الضيقة.
الولايات المتحدة، التي تقدم نفسها كأرض الفرص وملاذ لكل من ضاقت به الأوطان، تختار بهذا القرار المتعالي  لغة الإقصاء الممنهج...القرار لا نجد فيه حظرا صريحاً ، بل نجد إغلاقاً بطيئا للأبواب تحت عناوين مبهمة تخفي خلفها خوفاً عميقاً من «الآخر».
المفارقة الكبرى أن هذه الدولة بنيت قوتها وتنوعها على أكتاف وظلم وقهر المهاجرين، ثم قررت فجأة أن تتنكر لأسباب هذه القوة، محولةً ريادتها إلى غطرسة تقرر من خلالها من يستحق الحياة ومن يستحق التهميش بل والطرد وعدم القبول.
هذا التحول في سياسة التأشيرات يمكن فهمه في سياق «المزاجية السياسية» التي باتت تحكم البيت الأبيض، حيث ينظر دونالد ترامب للمهاجر كعبء اقتصادي أو كخطر أمني محتمل عوضا من كونه طاقة بشرية مهاجرة.
هذا القرار ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو «تصنيف طبقي وإنساني» بامتياز، يقاس فيه الانسان بميزان الربح والخسارة، وكأن القادم إلى «بلاد العم سام» مجرّد رقم في معادلة حسابية جافة تفتقر لأدنى معايير الأخلاق والعدالة الاجتماعية.
والواقع إن هذه الغطرسة تتجاوز حدود «الفيزا» لتصل إلى استباحة سيادة الدول والتدخّل في مصائر الشعوب ، فأمريكا التي تمنع مواطني 75 دولة من دخول أراضيها، هي ذاتها التي تمنح نفسها «حق» التدخّل في شؤون بعض هذه الدول بفرض العقوبات، وتغيير الأنظمة، وملاحقة الخصوم السياسيين عبر القارّات وكأنّ العالم ضيعة خاصة تابعة للبيت الأبيض. 
أمريكا ببساطة تمارس سادية سياسية ، تفقرالشعوب عبر الحصار الاقتصادي، ثم تعاقب ضحايا هذا الفقر بمنعهم من حق التنقل أو البحث عن حياة كريمة على اراضيها  في حلقة تكشف الاستعلاء الامريكي الذي لا يرى في الآخرين سوى أدوات لتحقيق مصلحة «الإمبراطورية».
ثم إن هذا التحوّل المفاجي في الفيزا لا يمكن فهمه  دون استحضار المشهد الأكثر مأساوية في عالمنا اليوم في غزة الأبية ..هناك لا تُغلق الأبواب فحسب، بل تُسد آفاق السماء وامتداد البحار، وتُفتح بدلاً عنها فوهات القنابل..فالمنطق «الترامبي « الذي يصنّف المهاجر «عبئاً»، هو ذاته المنطق الذي يرى في الفلسطيني «رقماً فائضاً» يمكن التضحية به في سبيل التحالفات..فأمريكا التي تدقّق في ملفّات الهجرة بدعوى حماية قيمها، هي ذاتها التي توفّر الغطاء السياسي والعسكري لأبشع صور الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين. هناك من أرض فلسطين الحبيبة يُمنع الإنسان من حقّ الإقامة، ويُسلب حق الحياة، وفي الحالتين يحضر الظلم وتغيب العدالة.
إن حقيقة أمريكا باتت عارية في عالم تحكمه المصلحة الوقحة، هي لا تطلب من العالم فَهماً لقراراتها، بل تفرض سطوتها بالترهيب والعقوبات، وتدعم الكيان المحتل بلا خجل، ضاربةً عرض الحائط بكل المواثيق الدولية. إنها «ديمقراطية الجدران العالية» التي لا تؤمن بالآخر إلا إذا كان خادما لمشاريعها، لتسقط بذلك آخر أوراق التوت عن وجه القوة العظمى التي تدّعي قيادة العالم الحر، بينما هي في الواقع تقود العالم نحو مزيد من الانقسام والظلم.
راشد شعور 
 

تعليقات الفيسبوك