مع الشروق : إما الاستفاقة أو الاندثار

مع الشروق : إما الاستفاقة أو الاندثار

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/05

بينما تنشغل العواصم العربية ببيانات الشجب والاستنكار التي لم تعد تسمن ولا تغني من جوع، وبينما تلملم الجراح بصمت بانتظار الجولة القادمة، يطلُّ الصهاينة بمشروع «إسرائيل الكبرى» التي لم تعد مجرد نصوص في كتب التاريخ القديم، بل هي اليوم مخططات تُرسم بالخوارزميات والصواريخ، وتمتد أطماعها لتنهش الأرض والمال والقرار من ضفاف النيل إلى ضفاف الفرات، ليفجّر كلّ ذلك فينا سؤالا وجوديا: متى تستفيق الأمة من غفوتها قبل أن تُؤكل فرادى؟
إن الرهان على أن أمريكا أو أوروبا أو حتى القوى الصاعدة في الشرق لتحمي العروش أو الحدود، هو رهانٌ خاسر بالضربة القاضية، فقد علّمنا التاريخ، أن لا أحدا سيحمينا سوى شعوبنا، ولن ينقذنا سوى اتحادنا إذا صنعناه بعقولنا لا بعواطفنا، فهرولة بعضهم نحو التطبيع، وتقديم «الإهداءات» والمشاريع المجانية، لم تزد العدو إلا غطرسة، ولم تزد الغرب إلا إصرارا على زرع وكلائه وتدمير ما فينا ليضمن تبعيتنا المطلقة.
ولعل من أكثر الحقائق مرارة أن الدول العربية تنفق ما يقارب ثلاثين مليار دولار سنويا على صفقات سلاح لا تملك حق استعماله «الفعلي» في لحظات المصير، في حين أن هذا المال وحده، لو استُثمر بعقلانية طوال عقد واحد، لكان كفيلا ببناء قاعدة صناعية دفاعية عربية حقيقية، قاعدة تصنع أقمارنا الصناعية، وإلكترونياتنا الدفاعية، فالأرقام التي تعكس تبعيتنا المذلة اليوم، هي ذاتها الأرقام التي يمكن أن تصبح صك استقلالنا غدا إذا وُجدت الإرادة الصادقة.
قد نختلف حول السياسات، ولكن في نهاية المطاف، ينظر العالم إلينا ككتلة واحدة مستهدفة، فالحرب الدائرة اليوم ليست على طرف بعينه، بل هي «بروفة» لما سيأتي لاحقا، إذ أن الأنانيات المفرطة والخلافات الهامشية هي السموم التي تقتل جسد الأمة، بينما يبتلع العدو أجزاء جديدة من أراضينا ومستقبلنا، لا نملك إزاءه سوى التوجه نحو «اتحاد عقلاني مدروس»، اتحاد اقتصادي، عسكري، وتقني يواجه مشروع «إسرائيل الكبرى» الذي يسعى للسيطرة المطلقة على قلب الشرق.
فإذا لم تتبنَّ الدول العربية والإسلامية ردّا منظما وعقلانيا يعيد للشعوب كرامتها ويحمي مقدراتها، فإننا لن نخرج من وضعيتنا «المُذلّة» التي تتطلب شجاعة المواجهة مع الذات أولا، واحترام إرادة الشعوب، والبدء فوراً في بناء «تكامل سيادي» يجعل من العرب قوة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة دولية، فلقد حان الوقت لنفهم أن القائمة طويلة، وإذا لم نقف صفا واحدا اليوم، فسنكون غدا مجرد ذكريات في كتب التاريخ التي يكتبها المنتصرون.
هاشم بوعزيز 

تعليقات الفيسبوك