مع الشروق : شعارات زائفة لإسقاط الدول
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/15
حين يخرج رئيس الولايات المتحدة ليخاطب ما سمّاهم بـ»الوطنيين الإيرانيين» داعيا إياهم إلى «مواصلة الاحتجاج» و»السيطرة على مؤسساتهم»، ومؤكّدا أنّ «المساعدة آتية»، فإنّنا لا نكون أمام زلّة لسان أو خطاب تعبوي عابر، بل أمام تحوّل نوعي في المقاربة الأمريكية تجاه إيران، فهذه اللغة لا تندرج ضمن الإطار التقليدي للدعوة إلى احترام حقوق الإنسان أو حرية التعبير، بل تمثّل، في جوهرها، تحريضا سياسيا مباشرا على تغيير النظام، ومحاولة مكشوفة للتأثير في مسار التوازنات الداخلية لدولة ذات سيادة.
ولعل الأخطر في تصريح ترامب ليس فقط مضمونه، بل الغموض المقصود الذي أرفقه به حين سُئل عن طبيعة «المساعدة» الموعودة، مكتفيا بالقول «ستكتشفون ذلك بأنفسكم»، بما يفتح الباب أمام كل السيناريوهات الممكنة، من الدعم الإعلامي والدبلوماسي، إلى العقوبات الاقتصادية المشددة، وصولا إلى عمليات أمنية أو استخباراتية غير معلنة التي تشكّل كلها تدخّلا واضحا في شأن داخلي لدولة ذات سيادة بما يخالف كل المواثيق الدولية.
وما التوصيف الإعلامي الغربي لهذه التصريحات باعتبارها «الدعم الأكثر صراحة لفكرة إسقاط النظام الإيراني منذ اندلاع الاحتجاجات»، إلاّ تعبير بيّن عن انتقال واضح من سياسة الضغط غير المباشر إلى خطاب يلامس فكرة تغيير النظام بوضوح فاضح.
ومن الثابت أن اللقاء الذي جمع مبعوثا لترامب بأحد أبناء شاه إيران الراحل، هو تكرار ممجوج لنموذج لطالما اعتمده الغرب في تغيير الأنظمة سواء في أوروبا الشرقية أو كذلك العراق وليبيا، وهو خيار تسعى من خلاله العواصم الغربية إلى الإيهام بأنها تفكّر في مرحلة ما بعد النظام، أو على الأقل التلويح بوجود بدائل جاهزة.
كل هذه المعطيات، حين تُقرأ مجتمعة، تشكّل لوحة واحدة مفادها التصعيد الواضح الذي تقوده الولايات المتحدة بدعم وتنسيق واضحين مع إسرائيل، هدفه رفع منسوب الضغط إلى أقصاه، ودفع إيران نحو حالة من الإنهاك السياسي والارتباك الداخلي.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن سيناريو إسقاط النظام بات وشيكا أو حتميا، فالتجربة التاريخية تُظهر أن الأنظمة التي تواجه ضغوطا خارجية صريحة كثيرا ما تعيد ترتيب صفوفها داخليا، وتستثمر خطاب التهديد الخارجي لتعزيز تماسكها.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في أن هذا النوع من الخطاب يفتح الباب أمام انزلاقات خطيرة، فالتحريض على «السيطرة على المؤسسات» لا يمكن أن يُقرأ إلا كدعوة ضمنية إلى الفوضى أو الصدام الداخلي، وهو ما يضع الشعب الإيراني، مرة أخرى، في موقع الضحية أمام حسابات جيوسياسية أمريكية–إسرائيلية لا تنطلق من مصلحة الإيرانيين، بل من مصالح استراتيجية أوسع.
فالولايات المتحدة لا تبحث عن «حرية الإيرانيين» بقدر ما تبحث عن إضعاف دولة تعتبرها خصما استراتيجيا في الشرق الأوسط، وإسرائيل، من جهتها، ترى في أي إرباك داخلي في إيران فرصة لتقليص التهديد الذي تمثّله على معادلات الردع الإقليمي، أما الحديث عن الديمقراطية وحقوق الشعوب، فيبقى غطاء أخلاقيا لسياسات تقوم في جوهرها على منطق الهيمنة وتصفية الخصوم.
ولا شكّ أن ما يحدث اليوم في الوضع الإيراني هو تذكير خطير بأن مصير الشعوب، في كثير من الأحيان، يُستخدم كورقة في لعبة الأمم، وأن الشعارات الكبرى قد تخفي وراءها حسابات لا علاقة لها لا بالحرية ولا بالكرامة ولا بالاستقرار.
هاشم بوعزيز
حين يخرج رئيس الولايات المتحدة ليخاطب ما سمّاهم بـ»الوطنيين الإيرانيين» داعيا إياهم إلى «مواصلة الاحتجاج» و»السيطرة على مؤسساتهم»، ومؤكّدا أنّ «المساعدة آتية»، فإنّنا لا نكون أمام زلّة لسان أو خطاب تعبوي عابر، بل أمام تحوّل نوعي في المقاربة الأمريكية تجاه إيران، فهذه اللغة لا تندرج ضمن الإطار التقليدي للدعوة إلى احترام حقوق الإنسان أو حرية التعبير، بل تمثّل، في جوهرها، تحريضا سياسيا مباشرا على تغيير النظام، ومحاولة مكشوفة للتأثير في مسار التوازنات الداخلية لدولة ذات سيادة.
ولعل الأخطر في تصريح ترامب ليس فقط مضمونه، بل الغموض المقصود الذي أرفقه به حين سُئل عن طبيعة «المساعدة» الموعودة، مكتفيا بالقول «ستكتشفون ذلك بأنفسكم»، بما يفتح الباب أمام كل السيناريوهات الممكنة، من الدعم الإعلامي والدبلوماسي، إلى العقوبات الاقتصادية المشددة، وصولا إلى عمليات أمنية أو استخباراتية غير معلنة التي تشكّل كلها تدخّلا واضحا في شأن داخلي لدولة ذات سيادة بما يخالف كل المواثيق الدولية.
وما التوصيف الإعلامي الغربي لهذه التصريحات باعتبارها «الدعم الأكثر صراحة لفكرة إسقاط النظام الإيراني منذ اندلاع الاحتجاجات»، إلاّ تعبير بيّن عن انتقال واضح من سياسة الضغط غير المباشر إلى خطاب يلامس فكرة تغيير النظام بوضوح فاضح.
ومن الثابت أن اللقاء الذي جمع مبعوثا لترامب بأحد أبناء شاه إيران الراحل، هو تكرار ممجوج لنموذج لطالما اعتمده الغرب في تغيير الأنظمة سواء في أوروبا الشرقية أو كذلك العراق وليبيا، وهو خيار تسعى من خلاله العواصم الغربية إلى الإيهام بأنها تفكّر في مرحلة ما بعد النظام، أو على الأقل التلويح بوجود بدائل جاهزة.
كل هذه المعطيات، حين تُقرأ مجتمعة، تشكّل لوحة واحدة مفادها التصعيد الواضح الذي تقوده الولايات المتحدة بدعم وتنسيق واضحين مع إسرائيل، هدفه رفع منسوب الضغط إلى أقصاه، ودفع إيران نحو حالة من الإنهاك السياسي والارتباك الداخلي.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن سيناريو إسقاط النظام بات وشيكا أو حتميا، فالتجربة التاريخية تُظهر أن الأنظمة التي تواجه ضغوطا خارجية صريحة كثيرا ما تعيد ترتيب صفوفها داخليا، وتستثمر خطاب التهديد الخارجي لتعزيز تماسكها.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في أن هذا النوع من الخطاب يفتح الباب أمام انزلاقات خطيرة، فالتحريض على «السيطرة على المؤسسات» لا يمكن أن يُقرأ إلا كدعوة ضمنية إلى الفوضى أو الصدام الداخلي، وهو ما يضع الشعب الإيراني، مرة أخرى، في موقع الضحية أمام حسابات جيوسياسية أمريكية–إسرائيلية لا تنطلق من مصلحة الإيرانيين، بل من مصالح استراتيجية أوسع.
فالولايات المتحدة لا تبحث عن «حرية الإيرانيين» بقدر ما تبحث عن إضعاف دولة تعتبرها خصما استراتيجيا في الشرق الأوسط، وإسرائيل، من جهتها، ترى في أي إرباك داخلي في إيران فرصة لتقليص التهديد الذي تمثّله على معادلات الردع الإقليمي، أما الحديث عن الديمقراطية وحقوق الشعوب، فيبقى غطاء أخلاقيا لسياسات تقوم في جوهرها على منطق الهيمنة وتصفية الخصوم.
ولا شكّ أن ما يحدث اليوم في الوضع الإيراني هو تذكير خطير بأن مصير الشعوب، في كثير من الأحيان، يُستخدم كورقة في لعبة الأمم، وأن الشعارات الكبرى قد تخفي وراءها حسابات لا علاقة لها لا بالحرية ولا بالكرامة ولا بالاستقرار.
هاشم بوعزيز