مع الشروق : سراب الخلاف وأصل التحالف
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/11
ما تتداوله الصحف العالمية حول تصريحات منسوبة لترامب إزاء رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو قد توحي بخلاف ظاهري في علاقة بإدارة الحرب على إيران ويبني عليه البعض تحليلاته، تحيلنا إلى سؤال جوهري في المشهد الديبلوماسي والجيوسياسي الراهن، مفاده قدرة الخلافات المتصاعدة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إحداث شرخ استراتيجي غير مسبوق، أم أنها لا تتعدى كونها مناورة تكتيكية ومسرحية لتبادل الأدوار السياسية، بيد أنّ قراءة هذا المشهد بدقة، تتطلب نظرة أكثر عمقا وتفحّصا لبنية العلاقة بين الشخصين وخلفياتها الإيديولوجية والبراغماتية.
من جهة أولى، يميل قطاع واسع من المحللين إلى اعتبار هذا التوتر حقيقيا وبنيويا، فترامب، المدفوع بعقيدته الانعزالية "أمريكا أولا"، يبدو ظاهريا ضيق الصدر بالحروب اللانهائية التي يخوضها نتنياهو، والتي تستنزف الخزينة والدعم الدبلوماسي الأمريكي عالميا.
في المقابل، يرى نتنياهو في الحرب أداة وحيدة للبقاء السياسي والشخصي، مما يجعله يتجاوز أحيانا "الخطوط الحمراء" التي ترسمها الإدارة الأمريكية، حيث يخلق هذا التباين في الأولويات انطباعا بأننا أمام افتراق طرق استراتيجي، خاصة عندما يخرج التلاسن إلى العلن عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
مع ذلك، فإن التاريخ القريب والبعيد للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية يدفعنا نحو الفرضية الثانية، فرضية المناورة وتبادل الأدوار، ذلك أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب ليس تحالفا بين أشخاص، بل هو ارتباط عضوي مؤسساتي عابر للأحزاب والولايات الرئاسية، وبالتالي فما يظهر كخلاف بين ترامب ونتنياهو ليس صراعا على "الهدف النهائي"، وإنما هو خلاف على "توقيت التنفيذ" وأسلوب الإخراج.
يسعى ترامب إلى تقديم نفسه كصانع صفقات دولي قادر على إنهاء الأزمات، ولذلك يحتاج إلى الضغط علنا على نتنياهو ليبدو أمام الناخب الأمريكي والعالم كطرف مسيطر، وفي الوقت نفسه، يستغل نتنياهو هذا الضغط ليظهر أمام اليمين الإسرائيلي المتطرف كقائد صلب يقف في وجه الضغوط الخارجية، حتى لو كانت من أقرب الحلفاء، وهو ما يمكن عدّه كتدافع علني يخدم المصالح الانتخابية والسياسية الضيقة لكلا الطرفين دون أن يمس جوهر الدعم العسكري والاستخباراتي المطلق الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل.
لا شكّ أن هندسة هذه الأوامر والتصريحات المتبادلة تكشف عن توزيع ذكي للأدوار، فالإدارة الأمريكية تلعب دور الحليف الذي يبحث عن التهدئة الإقليمية والصفقات الكبرى، بينما تمارس الحكومة الصهيونية جرائمها الوحشية في مسعى لفرض الوقائع على الأرض بالقوة العسكرية.
وفي نهاية المطاف، تلتقي السیاستان عند نقطة واحدة، هي الحفاظ على التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة، وإعادة صياغة الشرق الأوسط وفق الرؤية المشتركة، ولكن بأدوات مختلفة.
من الثابت أن الخلافات الراهنة بين ترامب ونتنياهو هي "زوبعة في فنجان التكتيك" وليست زلزالا بيّنا في "أرض الاستراتيجية"، فهي مناورة سياسية بامتياز تفرضها طبيعة المرحلة المعقدة، إذ ستبقى المظلة الأمريكية حامية للكيان الغاصب، وسيبقى الطابع المؤسساتي للعلاقة أقوى من أي تلاسن عابر بين ترامب ونتنياهو اللذين يبحثان عن تحقيق مصالح مشتركة على حساب دماء المنطقة واستقرارها.
هاشم بوعزيز
ما تتداوله الصحف العالمية حول تصريحات منسوبة لترامب إزاء رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو قد توحي بخلاف ظاهري في علاقة بإدارة الحرب على إيران ويبني عليه البعض تحليلاته، تحيلنا إلى سؤال جوهري في المشهد الديبلوماسي والجيوسياسي الراهن، مفاده قدرة الخلافات المتصاعدة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إحداث شرخ استراتيجي غير مسبوق، أم أنها لا تتعدى كونها مناورة تكتيكية ومسرحية لتبادل الأدوار السياسية، بيد أنّ قراءة هذا المشهد بدقة، تتطلب نظرة أكثر عمقا وتفحّصا لبنية العلاقة بين الشخصين وخلفياتها الإيديولوجية والبراغماتية.
من جهة أولى، يميل قطاع واسع من المحللين إلى اعتبار هذا التوتر حقيقيا وبنيويا، فترامب، المدفوع بعقيدته الانعزالية "أمريكا أولا"، يبدو ظاهريا ضيق الصدر بالحروب اللانهائية التي يخوضها نتنياهو، والتي تستنزف الخزينة والدعم الدبلوماسي الأمريكي عالميا.
في المقابل، يرى نتنياهو في الحرب أداة وحيدة للبقاء السياسي والشخصي، مما يجعله يتجاوز أحيانا "الخطوط الحمراء" التي ترسمها الإدارة الأمريكية، حيث يخلق هذا التباين في الأولويات انطباعا بأننا أمام افتراق طرق استراتيجي، خاصة عندما يخرج التلاسن إلى العلن عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
مع ذلك، فإن التاريخ القريب والبعيد للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية يدفعنا نحو الفرضية الثانية، فرضية المناورة وتبادل الأدوار، ذلك أن التحالف بين واشنطن وتل أبيب ليس تحالفا بين أشخاص، بل هو ارتباط عضوي مؤسساتي عابر للأحزاب والولايات الرئاسية، وبالتالي فما يظهر كخلاف بين ترامب ونتنياهو ليس صراعا على "الهدف النهائي"، وإنما هو خلاف على "توقيت التنفيذ" وأسلوب الإخراج.
يسعى ترامب إلى تقديم نفسه كصانع صفقات دولي قادر على إنهاء الأزمات، ولذلك يحتاج إلى الضغط علنا على نتنياهو ليبدو أمام الناخب الأمريكي والعالم كطرف مسيطر، وفي الوقت نفسه، يستغل نتنياهو هذا الضغط ليظهر أمام اليمين الإسرائيلي المتطرف كقائد صلب يقف في وجه الضغوط الخارجية، حتى لو كانت من أقرب الحلفاء، وهو ما يمكن عدّه كتدافع علني يخدم المصالح الانتخابية والسياسية الضيقة لكلا الطرفين دون أن يمس جوهر الدعم العسكري والاستخباراتي المطلق الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل.
لا شكّ أن هندسة هذه الأوامر والتصريحات المتبادلة تكشف عن توزيع ذكي للأدوار، فالإدارة الأمريكية تلعب دور الحليف الذي يبحث عن التهدئة الإقليمية والصفقات الكبرى، بينما تمارس الحكومة الصهيونية جرائمها الوحشية في مسعى لفرض الوقائع على الأرض بالقوة العسكرية.
وفي نهاية المطاف، تلتقي السیاستان عند نقطة واحدة، هي الحفاظ على التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة، وإعادة صياغة الشرق الأوسط وفق الرؤية المشتركة، ولكن بأدوات مختلفة.
من الثابت أن الخلافات الراهنة بين ترامب ونتنياهو هي "زوبعة في فنجان التكتيك" وليست زلزالا بيّنا في "أرض الاستراتيجية"، فهي مناورة سياسية بامتياز تفرضها طبيعة المرحلة المعقدة، إذ ستبقى المظلة الأمريكية حامية للكيان الغاصب، وسيبقى الطابع المؤسساتي للعلاقة أقوى من أي تلاسن عابر بين ترامب ونتنياهو اللذين يبحثان عن تحقيق مصالح مشتركة على حساب دماء المنطقة واستقرارها.
هاشم بوعزيز