مع الشروق : دافوس يسقط الأقنعة

مع الشروق : دافوس يسقط الأقنعة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/25

في أكبر محفل اقتصادي  عالمي، سقطت كل الأقنعة، وتعرّت كل السياسات التي كان الغرب الجماعي يدافع عنها بشدّة. اعترافات صادمة ومدوّية ممن استفادوا لعقود طويلة من نظام عالمي كانوا يرونه عادلا. 
وزير التجارة الأمريكية نعى نظام العولمة وقال إنه انتهى بالفشل الذريع لأنه لم يضع مصلحة الولايات المتحدة وأفرغ الاقتصاد الأمريكي فصار أجوف، و رئيس الوزراء الكندي قد أطلق رصاصة الرحمة على النظام الدولي قائلا إنّه صار من الماضي و لا يجب النحيب عليه، و الأوروبيون الذين يستضيفون منتدى دافوس الاقتصادي، اشتركوا في التأكيد على نهاية النظام العالمي، ورفضوا الخضوع لنظام الهيمنة الآمريكي  وطالبوا الصين بشراكة أكثر عقلانية.
قد يبدو الأمر لافتا ولكنه حقيقة ما بعد العولمة، الجميع أدرك أنّ النظام الدولي صار معطبا و ان الاستمرار في النفخ فيه من أجل إحيائه هو رهان خاسر. لقد كشف منتدى دافوس  عن تصدع متزايد في العلاقات الاقتصادية بين الحلفاء التقليديين، وسط تصعيد غير مسبوق في الخطاب السياسي والاقتصادي، أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل يشهد العالم نهاية النظام الاقتصادي الأحادي القطب؟ الإجابة تكون بالتأكيد أن العالم قد دخل فعلا مرحلة جديدة ربما ستكون غير متوقعة في مساراتها و رهاناتها، فأعداء الدولار يتكاثرون و آخرهم  الأوروبيون، إذ دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين صراحة إلى ضرورة تحرر أوروبا من هيمنة الدولار، في إشارة واضحة إلى إعادة التفكير في أسس النظام النقدي العالمي. هذا الموقف لم يقتصر على أوروبا وحدها، بل تردد صداه في كندا، أحد أقوى حلفاء الولايات المتحدة، حيث عبّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، المعروف بخلفيته الاقتصادية العميقة، عن توجه مماثل يدعو إلى تقليص الاعتماد المفرط على الدولار. 
لقد جاءت الدورة هذا العام في وقت يصفه مراقبون بأنه مرحلة تحول في النظام الدولي بعد عقود من الاستقرار النسبي المعتمد على القواعد، بما يمكن وصفه «مغادرة العالم القائم على القواعد ودخول عصر هيمنة القوة». وفي عالم يتغير بسرعة، يصبح فهم الاتجاهات الكبرى مبكرًا عاملًا حاسمًا لاقتناص الفرص وتفادي المخاطر. 
في هذا العالم الجديد متعدد المخاطر بدل أن يكون متعدد الفرص، نحن أمام مقتضيات جديدة لفرض السيادة، وهي امتلاك أسباب القوة الحقيقية الرادعة لكل عدوان خارجي، وبناء القوة أمر ليس يسيرا و لا في متناول كل الدول و إنما يقتضي رهانات و تفكيرا عقلانيا لا يمكن لدولة بمفردها أن تؤمنها و في الواقع العربي ليس أمامنا سوى التكتل من جديد ضمن أفق سيادي لا محيد عنه، لأنّ التجربة أثبتت أن الدول العربية كلما كانت مشتتة كلما صارت لقمة سائغة أمام القوى الكبرى. من يراهن على الحليف الأمريكي فإنه كمن يضع نفسه في فم التنين ويريد النجاة، فها أن الأوروبيين أنفسهم باتوا يخشون الحليف الأمريكي. في واقعنا العربي ليس امامنا سوى أخوة الدم والعرق والدين واللغة والتاريخ، ليس لنا سوى تلك الروح القومية المشبعة بتجذر ديني حقيقي يحمينا من عواصف الإمبراطوريات الكبرى.  
كمال بالهادي 
 

تعليقات الفيسبوك