مع الشروق : حين يلفظ المزاج الأوروبي الكيان المحتل

مع الشروق : حين يلفظ المزاج الأوروبي الكيان المحتل

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/16

في تحوّل لافت يعكس تغيرا عميقا في المزاج السياسي الأوروبي، أعلنت جورجيا ميلوني قرارها تعليق اتفاقية التعاون العسكري بين إيطاليا وإسرائيل، في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز البعد الثنائي، لتندرج ضمن مسار أوسع من إعادة تقييم العلاقات مع تل أبيب على خلفية جرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها الصهاينة وإشعالهم للحروب واللعب بالسلم والأمن الدوليين الذي بات بيّنا لكل العالم، في قرار لم يكن ليُتخيّل قبل سنوات قليلة.
قرار روما لا يمكن فصله عن السياق الدولي العام، حيث تتصاعد الضغوط على إسرائيل نتيجة الإبادة الجماعية التي تنتهك كل القواعد القانونية والشرعية وقبلهما الإنسانية، التي جعلت أكبر المنظمات الحقوقية تطلق تقاريرها المُدينة للجرائم الصهيونية والتلاعب بالأمن والسلم الدوليين في إيران، ما أسهم في تغيير تدريجي في مواقف عدد من الحكومات الأوروبية.
في هذا الإطار، يأتي القرار الإيطالي ليعكس تحوّلا في أولويات السياسة الخارجية، حيث لم يعد التعاون العسكري مع إسرائيل أمرا بديهيا أو محصّنا من المراجعة، فإيطاليا، التي تُعد من الدول الأوروبية المؤثرة في حوض المتوسط، لطالما حافظت على علاقات متوازنة مع مختلف أطراف المنطقة، لكنها اليوم تبدو أكثر حساسية تجاه الضغوط الشعبية والحقوقية، خاصة مع اتساع رقعة الاحتجاجات داخل أوروبا الداعية إلى وقف تصدير السلاح لإسرائيل.
الأهمية الاستراتيجية لهذه الخطوة تكمن في كونها تضرب أحد أهم أركان العلاقات بين الدول، وهو التعاون العسكري، الذي لا يقتصر فقط على صفقات السلاح، بل يشمل تبادل الخبرات والتدريب والتنسيق الأمني، وعندما تقرر دولة مثل إيطاليا تعليق هذا النوع من التعاون، فإنها تبعث برسالة واضحة مفادها أن العلاقة مع إسرائيل لم تعد بمنأى عن المساءلة رغم أن القادح الأول لهذا القرار هو تزايد الضغوط السياسية على رئيسة الوزراء ميلوني داخل البرلمان والحساسيات الحزبية.
يتزامن هذا التطور مع متغير آخر لا يقل أهمية، يتمثل في سقوط أحد أبرز حلفاء إسرائيل داخل أوروبا، وهو فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، الذي شكّل لسنوات صوتا داعما لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تعطيله لعديد القرارات والبيانات الأوروبية الناقدة لها، وهو ما يجعل من الإطاحة بأوربان في الانتخابات الأخيرة ضربة إضافية لإسرائيل، لأنه يُفقدها أحد أهم حلفائها القادرين على التأثير في مواقف الاتحاد الأوروبي.
هذا التزامن بين قرار إيطاليا وتراجع حلفاء إسرائيل في أوروبا يفتح الباب أمام قراءة أوسع مفادها أن تل أبيب قد تكون بصدد مواجهة مرحلة جديدة من العزلة النسبية داخل الفضاء الأوروبي أطلقت شرارتها الأولى إسبانيا ورئيس وزرائها الشجاع بيدرو سانشيز، رغم تمسّك بعض الدول بعلاقاتها التقليدية معها، لكن المؤشرات المتراكمة من قرارات برلمانية، وتصريحات رسمية، وتحركات شعبية تدل على أن صورة إسرائيل كـ»حليف غير قابل للمساءلة» بدأت تتآكل.
ولا يمكن إغفال دور الرأي العام في هذا التحول، فالمجتمعات الأوروبية، التي أصبحت أكثر انخراطا في قضايا حقوق الإنسان وأساسا الأجيال الشابة الصاعدة التي تؤمن بالكونية الإنسانية والحقوق غير القابلة للتجزئة، تمارس ضغطا متعاظما على حكوماتها لإعادة النظر في سياساتها الخارجية، حيث أظهرت مختلف استطلاعات الرأي في أوروبا تراجعا كبيرا في التعاطف مع إسرائيل مقابل ارتفاع التأييد لحقوق الفلسطينيين، وهو ما ينعكس تدريجيا في قرارات سياسية مثل تعليق التعاون العسكري أو مراجعة اتفاقيات الشراكة.
في المحصّلة، يمثل القرار الإيطالي علامة فارقة في مسار يتشكّل ببطء داخل أوروبا، مسار يقوم على ربط العلاقات الدولية بالمعايير القانونية والإنسانية، ولو بشكل تدريجي، وإذا ما استمر هذا الاتجاه، مدعوما بتغيرات سياسية داخلية في دول أخرى على شاكلة المجر، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقع جديد لم تحسب له حسابا، يقوم على مزيد عزلها والتعامل معها ككيان مجرم منبوذ.
 

تعليقات الفيسبوك