مع الشروق :حيفا مقابل الضاحية... معادلة ردع جديدة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/09
منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران والاحتلال، لم تعد الحرب تدور فقط حول تبادل الضربات العسكرية، بل أصبحت تدور حول محاولة كل طرف فرض قواعد اشتباك جديدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
وفي قلب هذه المواجهة تبرز معادلة ردع جديدة يبدو أن طهران تسعى إلى ترسيخها بقوة، وهي معادلة "الضاحية الجنوبية مقابل المدن الصهيونية"، في إشارة واضحة إلى أن استهداف أي جزء من محور المقاومة، وخاصة في لبنان، لن يمر دون ثمن يدفعه الاحتلال في عمقه الاستراتيجي.
جاءت المؤشرات الأولى لهذه المعادلة عندما تعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لغارات صهيونية، لترد إيران بعد ذلك مباشرة بهجوم صاروخي استهدف منطقة حيفا، إذ يبدو ان الرسالة الإيرانية كانت واضحة: إذا أصبحت الضاحية هدفا مفتوحا أمام الطائرات الصهيونية، فإن المدن المحتلة الكبرى لن تكون بمنأى عن الرد.
هذه المعادلة تمثل تحولا مهما في التفكير الاستراتيجي الإيراني، فطهران تدرك أن الاحتلال يحاول منذ سنوات فصل الساحات عن بعضها البعض، بحيث يستطيع ضرب لبنان أو غزّة دون أن تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة.
أما إيران فتسعى إلى العكس تماما؛ أي إلى توحيد الجبهات وإقناع خصومها بأن أي اعتداء على إحدى حلقات المحور (خاصة لبنان) سيستدعي ردا من جبهة أخرى، بما يجعل تكلفة التصعيد أعلى بكثير مما تتوقعه تل أبيب.
لكن المشكلة بالنسبة للاحتلال أن قبول مثل هذه المعادلة يعني الاعتراف عمليا بأن الضاحية الجنوبية أصبحت تتمتع بمظلة ردع إقليمية، وأن استهدافها قد يؤدي إلى فتح أبواب المواجهة على كامل المنطقة.
ولهذا السبب تبدو حكومة بنيامين نتنياهو مصممة على رفض هذا الواقع الجديد، بل وتسعى إلى كسره منذ بدايته عبر توسيع دائرة الضربات العسكرية وإظهار أن الاحتلال ما زالت يحتفظ بحرية الحركة في لبنان وإيران معا، حتى وإن كان ذلك مع رغبات او مصالح واشنطن.
في المقابل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام معضلة معقدة، فمنذ بداية الأزمة كان هدفه الأساسي الوصول إلى اتفاق سريع يوقف القتال ويمنع انزلاق المنطقة نحو حرب واسعة قد تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
لكن ما يحدث على الأرض يسير في اتجاه معاكس تماما، فكلما اقتربت فرص التهدئة ظهرت تطورات جديدة تعيد إشعال المواجهة، سواء عبر الضربات المتبادلة بين الاحتلال وإيران أو من خلال دخول أطراف أخرى على خط الأزمة.
ويبدو أن ترامب يدرك أن استمرار الحرب سيقوض أي فرصة لتحقيق إنجاز دبلوماسي يمكن تسويقه داخليا وخارجيا، ولذلك اكتفى بالدعوة إلى وقف القتال واحتواء التصعيد.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن واشنطن لا تتحكم بشكل كامل في حسابات نتنياهو، الذي يرى أن أي اتفاق سريع قد يمنح إيران فرصة لإعلان النصر السياسي وترسيخ قواعد اشتباك جديدة لا تصب في المصلحة الصهيونية.
الأكثر تعقيدا أن الأزمة لم تعد مقتصرة على طرفين فقط، فإعلان الحوثيين تشديد الضغوط على الملاحة المرتبطة بالاحتلال في البحر الأحمر أعاد التذكير بأن المواجهة الإقليمية أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة، وهذا يعني أن أي اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار مختلف الجبهات قد يكون اتفاقا هشا وعرضة للانهيار في أي لحظة.
في النهاية، تبدو المنطقة أمام صراع إرادات حقيقي، فإيران تحاول فرض معادلة ردع عنوانها أن الضاحية الجنوبية تقابلها المدن المحتلة، وأن زمن استهداف حلفائها دون رد قد انتهى، أما الاحتلال فيسعى إلى إسقاط هذه المعادلة قبل أن تتحول إلى واقع دائم، وبين الطرفين يقف ترامب باحثا عن اتفاق سريع يوقف النزيف.
بدرالدّين السّيّاري
منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران والاحتلال، لم تعد الحرب تدور فقط حول تبادل الضربات العسكرية، بل أصبحت تدور حول محاولة كل طرف فرض قواعد اشتباك جديدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
وفي قلب هذه المواجهة تبرز معادلة ردع جديدة يبدو أن طهران تسعى إلى ترسيخها بقوة، وهي معادلة "الضاحية الجنوبية مقابل المدن الصهيونية"، في إشارة واضحة إلى أن استهداف أي جزء من محور المقاومة، وخاصة في لبنان، لن يمر دون ثمن يدفعه الاحتلال في عمقه الاستراتيجي.
جاءت المؤشرات الأولى لهذه المعادلة عندما تعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لغارات صهيونية، لترد إيران بعد ذلك مباشرة بهجوم صاروخي استهدف منطقة حيفا، إذ يبدو ان الرسالة الإيرانية كانت واضحة: إذا أصبحت الضاحية هدفا مفتوحا أمام الطائرات الصهيونية، فإن المدن المحتلة الكبرى لن تكون بمنأى عن الرد.
هذه المعادلة تمثل تحولا مهما في التفكير الاستراتيجي الإيراني، فطهران تدرك أن الاحتلال يحاول منذ سنوات فصل الساحات عن بعضها البعض، بحيث يستطيع ضرب لبنان أو غزّة دون أن تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة.
أما إيران فتسعى إلى العكس تماما؛ أي إلى توحيد الجبهات وإقناع خصومها بأن أي اعتداء على إحدى حلقات المحور (خاصة لبنان) سيستدعي ردا من جبهة أخرى، بما يجعل تكلفة التصعيد أعلى بكثير مما تتوقعه تل أبيب.
لكن المشكلة بالنسبة للاحتلال أن قبول مثل هذه المعادلة يعني الاعتراف عمليا بأن الضاحية الجنوبية أصبحت تتمتع بمظلة ردع إقليمية، وأن استهدافها قد يؤدي إلى فتح أبواب المواجهة على كامل المنطقة.
ولهذا السبب تبدو حكومة بنيامين نتنياهو مصممة على رفض هذا الواقع الجديد، بل وتسعى إلى كسره منذ بدايته عبر توسيع دائرة الضربات العسكرية وإظهار أن الاحتلال ما زالت يحتفظ بحرية الحركة في لبنان وإيران معا، حتى وإن كان ذلك مع رغبات او مصالح واشنطن.
في المقابل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام معضلة معقدة، فمنذ بداية الأزمة كان هدفه الأساسي الوصول إلى اتفاق سريع يوقف القتال ويمنع انزلاق المنطقة نحو حرب واسعة قد تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
لكن ما يحدث على الأرض يسير في اتجاه معاكس تماما، فكلما اقتربت فرص التهدئة ظهرت تطورات جديدة تعيد إشعال المواجهة، سواء عبر الضربات المتبادلة بين الاحتلال وإيران أو من خلال دخول أطراف أخرى على خط الأزمة.
ويبدو أن ترامب يدرك أن استمرار الحرب سيقوض أي فرصة لتحقيق إنجاز دبلوماسي يمكن تسويقه داخليا وخارجيا، ولذلك اكتفى بالدعوة إلى وقف القتال واحتواء التصعيد.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن واشنطن لا تتحكم بشكل كامل في حسابات نتنياهو، الذي يرى أن أي اتفاق سريع قد يمنح إيران فرصة لإعلان النصر السياسي وترسيخ قواعد اشتباك جديدة لا تصب في المصلحة الصهيونية.
الأكثر تعقيدا أن الأزمة لم تعد مقتصرة على طرفين فقط، فإعلان الحوثيين تشديد الضغوط على الملاحة المرتبطة بالاحتلال في البحر الأحمر أعاد التذكير بأن المواجهة الإقليمية أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة، وهذا يعني أن أي اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار مختلف الجبهات قد يكون اتفاقا هشا وعرضة للانهيار في أي لحظة.
في النهاية، تبدو المنطقة أمام صراع إرادات حقيقي، فإيران تحاول فرض معادلة ردع عنوانها أن الضاحية الجنوبية تقابلها المدن المحتلة، وأن زمن استهداف حلفائها دون رد قد انتهى، أما الاحتلال فيسعى إلى إسقاط هذه المعادلة قبل أن تتحول إلى واقع دائم، وبين الطرفين يقف ترامب باحثا عن اتفاق سريع يوقف النزيف.
بدرالدّين السّيّاري