مع الشروق : جيل «القفز العالي» و هدْر الإنسان
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/23
من يتصفّح سجلّ الجريمة في تونس لدى الشباب والقصّر يلاحظ تنوّعا خطيرا يتراوح بين المخدّرات والسّطو و»البراكاجات» والتحيّل والعنف.
هذه العناوين الكبرى تحتاج إلى قراءة معمّقة من الداخل، لا تقف عند الأسباب فقط، بل تكشف تحوّلات في سلوك الناشئة تعكس أساسًا عقلية الربح السّريع وهاجس الثراء دون جهد. فالاتجار في المخدّرات، من الأقراص إلى القنّب الهندي، والتحيّل الإلكتروني، و»البراكاجات»، كلّها واجهة زجاجية تكشف خللا قيميّا داخل هذه الفئات واختلاط مفاهيم النجاح الاجتماعي لديها، حيث أصبح هذا النجاح مرتبطا أساسا بكسب المال بدل التحصيل العلمي ونيل الشّهادة الجامعية أو شهادات التكوين.
ولم تأتِ هذه القناعات الخاطئة من فراغ، فهي نتاج واقع ترتفع فيه معدّلات البطالة في صفوف خرّيجي الجامعات، وقد طالت حتى الدكاترة. كما أنّها من إفرازات منظومة تعليمية تدفع إلى الفشل أكثر ممّا تدفع إلى النجاح، فتفرز نخبة من التلاميذ داخل المدارس النموذجية التي تكرّس لها وزارة التربية أفضل ما لديها من أساتذة، وفي المقابل تفرز آلاف المنقطعين عن الدراسة سنويا في التعليم العمومي، فضلا عن عدد هام من الناجحين بـ»الإسعاف»، وفئة واسعة من التلاميذ الذين باتوا يستندون أساسا إلى الدّروس الخصوصية كوسيلة لبلوغ نتائج مرجوّة، أو على الأقل لتحقيق النّجاح والانتقال القانوني بين الأقسام.
كما أنّ هذه القناعات المبنية على الرّبح السّريع و»القفز العالي» تعود أيضا إلى الدراما التلفزية التي ظلّت، طيلة سنوات ما بعد الثورة تلمّع «قاع المجتمع» وتحطّ من قيمة القدوة الصالحة، مثل المثقّف وحامل الشهادة العليا والمتعلّم، فتقدّمه فاشلا، بينما تُعلي من شأن من هم دونه لمجرّد امتلاكهم سطوة المال غير النظيف لدى عصابات المخدّرات والمافيات، أو سلطة «الذراع» لدى الفُتوّات والمنحرفين. وهكذا تتقزّم القدوة والنموذج الصالح والفاعل، فيما يُنفخ في الأقزام وتُصنع لهم آلة دعائية تجعلهم نجوما ساطعة.
إلى جانب ذلك، احتلّت شبكات التواصل الاجتماعي دورا خطيرا في هذه التحوّلات القيمية والسلوكية لدى الشباب والقصّر وحتى الأطفال، حيث يتهافت كثيرون على شدّ الأنظار وكسب المال وتحقيق «نجومية افتراضية». وقد برزت أسماء من المؤثّرين وصنّاع المحتوى ومغنّي الراب، فاحتكرت المشهد وتحولت إلى قدوة تشكّل الوعي، بل تُجوّفه، ونجحت في نشر هستيريا الشّهرة وكسب المال والضرب عرض الحائط بمراجع الضبط الاجتماعي لدى الشّباب، وهم عادة أصحاب الدرجات العلمية الهامة أو الناجحون في المجتمع في شتّى المجالات، وحتى «كبار الحومة» الذين كانوا إلى حدود التسعينات يمثّلون سلطة ضبط رمزية داخل المجتمع إلى جانب العائلة.
ولأنّ التقييم الاعتباري انقلب رأسًا على عقب نتيجة ثقافة الكسب السّهل وضرب القدوة، أصبحت فئة واسعة من أبناء هذا الجيل تتّسم بالتمرّد والجموح والانجذاب إلى الوهم، والتمسّك بأحلام على درجات عالية من الخطورة، تتراوح بين اختراق الحدود خلسة والارتماء في قوارب الموت، أو الانتحار البطيء داخل عزلة شبكات التواصل الاجتماعي، أو الهروب إلى المخدّرات استهلاكًا وتجارة.
ومثل هذه التحوّلات يقرأها الزائر إلى السّجون التونسية، حيث يسمع الكثير من القصص والحكايات حول شباب انتهت بهم المقامرة إلى ما وراء القضبان، بسبب التهوّر والإهمال وسوء التأطير والتهميش ، وبسبب أحلام واهية أوسع من الحقيقة وأكبر من القدرات الممكنة.
وهذا ما يجعلنا أمام هدْر حقيقي للإنسان، وهدْر للعمر وللطاقات الشابة. ولعلّ التفكير الجدّي في العقوبة البديلة، بالنسبة إلى القضايا التي لا تشكّل خطورة على المجتمع، قد يكون الحلّ الإنقاذي والمصيريّ لأنه يتعلّق بمستقبل جيل وببناء مجتمع . فما الحكمة من أن يهدر شاب في العشرين سنوات من عمره ليخرج إلى المجتمع فارغ اليدين، مفلسًا من الأحلام؟ وما نفع البلاد من هؤلاء المجوّفين سوى أن يكونوا خزانا جديدا للجريمة ؟. إنّ الحل في أنسنة العقوبة والردع لغاية الإصلاح لا لأجل الهدم بحجّة الإصلاح.
وحيدة المي
من يتصفّح سجلّ الجريمة في تونس لدى الشباب والقصّر يلاحظ تنوّعا خطيرا يتراوح بين المخدّرات والسّطو و»البراكاجات» والتحيّل والعنف.
هذه العناوين الكبرى تحتاج إلى قراءة معمّقة من الداخل، لا تقف عند الأسباب فقط، بل تكشف تحوّلات في سلوك الناشئة تعكس أساسًا عقلية الربح السّريع وهاجس الثراء دون جهد. فالاتجار في المخدّرات، من الأقراص إلى القنّب الهندي، والتحيّل الإلكتروني، و»البراكاجات»، كلّها واجهة زجاجية تكشف خللا قيميّا داخل هذه الفئات واختلاط مفاهيم النجاح الاجتماعي لديها، حيث أصبح هذا النجاح مرتبطا أساسا بكسب المال بدل التحصيل العلمي ونيل الشّهادة الجامعية أو شهادات التكوين.
ولم تأتِ هذه القناعات الخاطئة من فراغ، فهي نتاج واقع ترتفع فيه معدّلات البطالة في صفوف خرّيجي الجامعات، وقد طالت حتى الدكاترة. كما أنّها من إفرازات منظومة تعليمية تدفع إلى الفشل أكثر ممّا تدفع إلى النجاح، فتفرز نخبة من التلاميذ داخل المدارس النموذجية التي تكرّس لها وزارة التربية أفضل ما لديها من أساتذة، وفي المقابل تفرز آلاف المنقطعين عن الدراسة سنويا في التعليم العمومي، فضلا عن عدد هام من الناجحين بـ»الإسعاف»، وفئة واسعة من التلاميذ الذين باتوا يستندون أساسا إلى الدّروس الخصوصية كوسيلة لبلوغ نتائج مرجوّة، أو على الأقل لتحقيق النّجاح والانتقال القانوني بين الأقسام.
كما أنّ هذه القناعات المبنية على الرّبح السّريع و»القفز العالي» تعود أيضا إلى الدراما التلفزية التي ظلّت، طيلة سنوات ما بعد الثورة تلمّع «قاع المجتمع» وتحطّ من قيمة القدوة الصالحة، مثل المثقّف وحامل الشهادة العليا والمتعلّم، فتقدّمه فاشلا، بينما تُعلي من شأن من هم دونه لمجرّد امتلاكهم سطوة المال غير النظيف لدى عصابات المخدّرات والمافيات، أو سلطة «الذراع» لدى الفُتوّات والمنحرفين. وهكذا تتقزّم القدوة والنموذج الصالح والفاعل، فيما يُنفخ في الأقزام وتُصنع لهم آلة دعائية تجعلهم نجوما ساطعة.
إلى جانب ذلك، احتلّت شبكات التواصل الاجتماعي دورا خطيرا في هذه التحوّلات القيمية والسلوكية لدى الشباب والقصّر وحتى الأطفال، حيث يتهافت كثيرون على شدّ الأنظار وكسب المال وتحقيق «نجومية افتراضية». وقد برزت أسماء من المؤثّرين وصنّاع المحتوى ومغنّي الراب، فاحتكرت المشهد وتحولت إلى قدوة تشكّل الوعي، بل تُجوّفه، ونجحت في نشر هستيريا الشّهرة وكسب المال والضرب عرض الحائط بمراجع الضبط الاجتماعي لدى الشّباب، وهم عادة أصحاب الدرجات العلمية الهامة أو الناجحون في المجتمع في شتّى المجالات، وحتى «كبار الحومة» الذين كانوا إلى حدود التسعينات يمثّلون سلطة ضبط رمزية داخل المجتمع إلى جانب العائلة.
ولأنّ التقييم الاعتباري انقلب رأسًا على عقب نتيجة ثقافة الكسب السّهل وضرب القدوة، أصبحت فئة واسعة من أبناء هذا الجيل تتّسم بالتمرّد والجموح والانجذاب إلى الوهم، والتمسّك بأحلام على درجات عالية من الخطورة، تتراوح بين اختراق الحدود خلسة والارتماء في قوارب الموت، أو الانتحار البطيء داخل عزلة شبكات التواصل الاجتماعي، أو الهروب إلى المخدّرات استهلاكًا وتجارة.
ومثل هذه التحوّلات يقرأها الزائر إلى السّجون التونسية، حيث يسمع الكثير من القصص والحكايات حول شباب انتهت بهم المقامرة إلى ما وراء القضبان، بسبب التهوّر والإهمال وسوء التأطير والتهميش ، وبسبب أحلام واهية أوسع من الحقيقة وأكبر من القدرات الممكنة.
وهذا ما يجعلنا أمام هدْر حقيقي للإنسان، وهدْر للعمر وللطاقات الشابة. ولعلّ التفكير الجدّي في العقوبة البديلة، بالنسبة إلى القضايا التي لا تشكّل خطورة على المجتمع، قد يكون الحلّ الإنقاذي والمصيريّ لأنه يتعلّق بمستقبل جيل وببناء مجتمع . فما الحكمة من أن يهدر شاب في العشرين سنوات من عمره ليخرج إلى المجتمع فارغ اليدين، مفلسًا من الأحلام؟ وما نفع البلاد من هؤلاء المجوّفين سوى أن يكونوا خزانا جديدا للجريمة ؟. إنّ الحل في أنسنة العقوبة والردع لغاية الإصلاح لا لأجل الهدم بحجّة الإصلاح.
وحيدة المي