مع الشروق : توقيت شتوي.. في وضع صيفي !

مع الشروق : توقيت شتوي.. في وضع صيفي !

تاريخ النشر : 21:15 - 2026/08/30

تعود الإدارة التونسية غدا الثلاثاء غرّة سبتمبر إلى التوقيت الشتوي ونظام الحصتين ليتجدد موعد سنوي سارت عليه الرزنامة الإدارية أكثر مما يسير عليه واقعنا وظروفنا المتغيرة ومناخنا المتقلب .
صيف هذا العام لم يكن فصلا عاديا حتى تكون العودة الإدارية عادية ، فالبلاد، من شمالها إلى جنوبها عاشت على وقع أشهر ثقيلة بسبب الحرارة القياسية والاستثنائية تخللتها انقطاعات متكررة وشبه يومية للكهرباء، مع اضطرابات كبيرة في التزويد بماء الحنفيات، ونقص حاد في المياه المعدنية، فضلا عن الشح المتواصل في بعض المواد الغذائية الأساسية وارتفاع أسعارها إلى مستويات أثقلت كاهل العائلات.
هذه الأزمات المتشابكة لم تكن مجرد عارض عابر في حياة التونسيين، بل استنزفت المواطن في بيته وعمله وتنقّلاته اليومية المضنية بحثًا عن الماء. أما انقطاع الكهرباء في ذروة القيظ، فلم يكن يعني عتمة مؤقتة فحسب، بل حرمانًا من التكييف، أو من «المروحة» كأبسط وسيلة لمقاومة الحر، إلى جانب إتلاف المؤونة، إن وُجدت، وتعطيل المصانع ، وتكبيد التجار والخبازين ومربي الدواجن خسائر فادحة  ولعل نفوق عدد هام منها  نتيجة توقف منظومات التبريد  خير شاهد على حجم الكارثة. 
خسائر المستثمرين والمنتجين والتجار لا تتوقف عند أصحابها، إذ تجد طريقها في النهاية إلى جيوب المستهلكين، في شكل زيادات في الأسعار وموجات غلاء جديدة، يدفع ثمنها المواطن المكتوي بهذه الحرارة المرتفعة جدا.
في هذا الظرف الاستثنائي بكل المقاييس ، يأتي قرار العودة إلى نظام العمل  بالحصتين ، والمشكلة هنا ليست في التوقيت الشتوي في حد ذاته ، بل في مدى ملاءمة هذا القرار للواقع والإمكانيات والظروف الحالية..فهل تلقت الحكومة ضمانات من الشركة التونسية للكهرباء والغاز «الستاغ» بعدم قطع التيار مجددا حتى تقدم على إقرار العودة إلى نظام الحصتين بكل هذا الاطمئنان؟ أم أن القرار اتخذ بشكل روتيني اعتمادا فقط على الرزنامة المعتادة فحسب دون تقييم حقيقي لتبعاته وما يتسبب فيه من مزيد لاستهلاك الكهرباء في الادارات  وبالتالي سببا «لقصان الضو» على المواطن .
الموظف الذي أنهكته الانقطاعات المتكررة في منزله سيعود غدا إلى إدارة قد تواجه المعاناة نفسها والتوقف عن العمل للأسباب ذاتها، فالحواسيب  والمكيفات لا تشتغل بنص البلاغ الحكومي ولا بالتمنيات، بل بالتيار الكهربائي ، والمواطن الذي يقصد المرفق العمومي لقضاء شؤونه لا يفترض أن ينتظر لساعات عودة التيار حتى يقضي حاجياته.
على الحكومة أن تتفاعل مع هذا الوضع الاستثنائي بواقعية، لا وفق روزنامة وضعت لظروف مناخية واقتصادية مختلفة تماما، فالتوقيت الإداري وسيلة لتنظيم العمل، وليس غاية في حد ذاته، والظروف الاستثنائية تقتضي دائما قرارات شجاعة واستثنائية ربما تتخذها الحكومة حتى مع هذه العودة المدرسية وتوقيتها.
المواعيد تضبطها الساعات، أما نجاح القرارات فتضبطه قدرة الدولة على قراءة الواقع والاستجابة له ، والعودة إلى نظام الحصتين يجب ألا يكون مجرد عودة إلى توقيت إداري قديم، بل فرصة لإثبات أن الدولة قادرة على تكييف قراراتها مع الظروف، وأن الإدارة تستطيع أن تكون جزءا من الحل لا عبئا إضافيا على المواطن.
راشد شعور

تعليقات الفيسبوك