مع الشروق : بين حلم الهجرة وسوق الوهم اليقظة الاستراتيجية ضرورة

مع الشروق : بين حلم الهجرة وسوق الوهم اليقظة الاستراتيجية ضرورة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/11

صرّح وزير التكوين المهني والتشغيل، رياض شود، خلال جلسة عامة بالبرلمان أمس الجمعة، أنّ عدد الشكايات المرفوعة ضد مراكز التشغيل العشوائية ارتفع إلى 51 شكاية خلال السنة المنقضية، بعدما كانت في حدود 21 شكاية سنة 2024، وذلك بتهمة التحيل على الشباب بعقود شغل وهمية بالخارج.
في السياق نفسه أعلن الوزير عن اشتغال الوزارة على الإعداد لمشروع قانون يسلّط أقصى العقوبات على هؤلاء المتحيلين، باعتبار أنّ العقود الوهمية تدخل في إطار عمليات الاتجار بالبشر، ممّا يدعو أساسا إلى سدّ الطريق أمام هؤلاء، عبر التثبّت من عقود التشغيل بالخارج والتعامل أساسا مع المكاتب المنظمة والمدرجة على المواقع الرسمية للوزارة.
لئن تعكس هذه الأرقام جدية الوزارة في التعامل بأعين مفتوحة مع مراكز التشغيل الوهمية، ويقظتها في رفع أمرها إلى القضاء بالتعاون مع السلط المعنية، إلا أنّ تنامي ظاهرة التحيل على الشباب وبلوغ عدد الشكاوى أكثر من الضعف في سنة واحدة، يعكس توسع  سوق الوهم وانتشار حالة من الهوس الجماعي في صفوف الشباب بالإقبال على العمل بالخارج والبحث عن وجهات تشغيلية تتلاءم مع سقف أحلامهم العالي، وتجنّبهم وضعيات التشغيل الهشّة واحتمالات الوقوع في بطالة طويلة المدى.
مثل هذا الحرص على كسر حواجز الولوج إلى سوق الشغل المحلية والتحليق خارج الحدود، رسّخ مبدأ البحث عن البدائل ولو كانت وهما، على إثر انتشار فوبيا البطالة المؤبدة في صفوف خريجي الجامعات ومراكز التكوين المهني وغياب الجدوى والنجاعة لدى  أصحاب المشاريع الصغرى وحديثي العهد بالتوظيف والدكاترة المعطّلين، وبات التعاطي مع مسألة التشغيل اضطرارا وليس خيارا، ممّا  سهّل تصديق الوهم والانخراط في عروض الهجرة المزيفة والوقوع تحت تأثير المراكز العشوائية التي غالبا ما تستغل الوضع النفسي للشباب الراغب في الهجرة وانجذابهم إلى شعاراتها الرنّانة والقبول بشروطها المادية المجحفة.
وقد أصبح الرهان الأقرب لتأمين مستقبل مهني آمن ومستدام ومنتج، هو الانخراط في موجة الهجرة بحثا عن آفاق أرحب، خاصة وأنّ الكفاءة التونسية الشابة مشهود لها ومعترف بها في جميع دول العالم، وتحظى بأولوية التشغيل في أكبر المؤسسات من أوروبا إلى الخليج. غير أنّ تأطيرها وجعلها بين أيادٍ أمينة ومكاتب معترف بها من الدولة التونسية لا يشكّل وحده الهدف الأساسي لحماية الشباب التونسي من التوظيف الوهمي وتبعاته، وأغلبها القبض على الريح وسلب أموالهم أو الوقوع في فخ شبكات مشبوهة عابرة للحدود تحت عناوين كبرى مزيّفة.
ولأنّ الهجرة باتت ضرورة وأفقا جديدا مشروعا أمام الشباب، وكذلك أمام الدولة المستثمرة في عقول أبنائها وذكائها البشري، من الضروري أن تعمل وزارة التشغيل والتكوين على تغيير استراتيجياتها في اليقظة، وخططها المستقبلية لمواجهة هؤلاء المتحيلين بنفس وسائلهم المعتمدة على الصورة والإبهار وقوة الإقناع والإيهام، وذلك باستغلال الفضاء الرقمي نفسه لتقريب المعلومة من الشباب والإحاطة بهم وتوجيههم عبر حملات توعوية على مختلف شبكات التواصل الاجتماعي لقطع الطريق على المراكز الوهمية، والتعريف بالمكاتب التي تكتفي الوزارة بإدراجها على موقعها الرسمي.
بل من الضروري أن تذهب هذه المكاتب المنظمة، وهي في حدود 60 مكتبا، بنفسها إلى الشباب الراغب في الهجرة، فتقدّم خدماتها وامتيازاتها، وتعرّف بمختلف أساليب التحيل، وتسهر على التبليغ عن المكاتب المتحيلة، بدل أن تكتفي بإدارة نفس الإسطوانة من خلال بيانات التحذير وإحصاء عدد الشكاوى المطروحة أمام القضاء.
ولأنّ الأمر على غاية الخطورة، بعد انخراط الأسر ذاتها في دفع أبنائها إلى الهجرة، فإنّ الأولى بوزارة الإشراف تغيير خططها الاتصالية والتوعوية لتجنّب الخسائر والأضرار، وتوفير هجرة آمنة تستفيد منها الدولة عبر التحويلات المالية بالعملة الصعبة، والتخفيف من حدّة البطالة، وتبادل الخبرات، وفي الوقت نفسه حماية التونسي من وعود الوهم وعروض مافيات المال والاتجار بالبشر.
وحيدة المي 

تعليقات الفيسبوك