مع الشروق : بين أمريكا وإيران... من يصرخ أوّلا في حرب الاستنزاف؟

مع الشروق : بين أمريكا وإيران... من يصرخ أوّلا في حرب الاستنزاف؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/08

بعد ستة أشهر من العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، تبدو الصورة أبعد ما تكون عن "النصر السريع" الذي بشّر به دونالد ترامب، عندما ظنّ أن الذهاب إلى طهران هو بمثابة نزهة عسكرية واستعراض مبهر للقوة والتفوق كما حدث في فنزويلا. ورغم أن القوة العسكرية "الأعظم في العالم" استطاعت إلحاق أضرار كبيرة بخصمها، لكنها لم تستطع تركيعه، ولم تتمكن من فرض الاستسلام عليه، ولا من تحويل التفوق الناري إلى حسم سياسي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الولايات المتحدة قادرة على مواصلة الحرب، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في إنهائها بالشروط التي تريدها، وإيران عاجزة عن تحقيق نصر عسكري تقليدي، لكنها تملك ما يكفي من أدوات الصمود لمنع واشنطن من إعلان الانتصار.
هذه هي معضلة حرب الاستنزاف ، حيث لا يكون السؤال فيها دائماً من الأقوى، بل من يستطيع تحمّل الكلفة لفترة أطول، فعندما بدأت الحرب في 28 فيفري الماضي، قدّمت أهدافها تحت عناوين تتعلق بالبرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية، فيما توسعت المطالب الأمريكية لاحقا إلى قضايا سياسية واستراتيجية أوسع.  وبعد ستة أشهر، لم تختف إيران من المعادلة، ولم يفتح مضيق هرمز بصورة طبيعية، بل تحوّلت المنطقة إلى ساحة ضغط عسكري واقتصادي متبادل، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن حركة الملاحة عبر المضيق لا تزال محدودة، فيما تواصل واشنطن الضغط الاقتصادي على طهران.
والأخطر بالنسبة لواشنطن أن استمرار الحرب بدأ يتحوّل من مشكلة عملياتية إلى مشكلة في القدرة الاستراتيجية، فقد حذّر قادة عسكريون أمريكيون، بحسب تقييم سري أُعد للبنتاغون، من أن استمرار العمليات الواسعة ضد إيران أصبح "أكثر من اللازم ولوقت أطول من اللازم، وأن إطالة الانتشار في الشرق الأوسط تستنزف قدرات يمكن أن تحتاجها الولايات المتحدة في مسارح أخرى، خصوصا في مواجهة الصين.
 كما أظهرت التقديرات ضغوطا على جاهزية البحرية ومخزونات بعض أنظمة الدفاع الصاروخي والذخائر، وهنا يظهر أحد أخطر أخطاء الحروب الطويلة وهي أن تتحوّل القوة التي كان يفترض أن تكون وسيلة للحسم إلى مورد يحتاج صاحبه إلى حمايته وإعادة تعويضه. في المقابل، لا تعني هذه الصورة أن إيران خرجت منتصرة، فالاقتصاد الإيراني يتعرض لضغط شديد، والعملة والأسواق والاستيراد والطاقة كلها تدفع ثمن استمرار المواجهة.
وتراهن واشنطن على أن الاختناق الاقتصادي يمكن أن يحوّل الضغط العسكري إلى تنازلات سياسية، لكن التاريخ يوضح أن الألم الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الأنظمة أو استسلامها، خصوصاً عندما تعتبر القيادة أن التراجع أخطر من استمرار المعاناة. وفق هذا الطرح يصبح السؤال الحقيقي، من يصرخ أولا؟
وقد تكون الولايات المتحدة أكثر قدرة على تحمل الإنفاق العسكري، لكنها تدفع ثمنا سياسيا واقتصاديا متصاعدا.
 فقد تراجعت شعبية ترامب إلى مستويات شديدة الانخفاض؛ وأظهر استطلاع لوكالة "رويترز "أن تأييده بلغ 33 %، بينما لم يؤيد الحرب سوى 31 % من الأمريكيين في استطلاع سابق، مع توقع أغلبية استمرار الصراع. أما إيران، فثمن الصمود عليها أكبر بكثير من ثمنه على الولايات المتحدة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، لكنها في المقابل تراهن على عامل الزمن، فكل يوم إضافي بلا استسلام إيراني هو يوم يصعب فيه على ترامب تحويل الحرب إلى انتصار واضح قبل انتخابات التجديد النصفي.
لذلك فإن المأزق الأمريكي ليس عسكريا فقط، بل سياسي أيضا، و الانسحاب من دون اتفاق يمكن أن يبدو تراجعا، والتصعيد يحتاج إلى موارد إضافية ومخاطر أكبر، والاستمرار يعني استنزافا متواصلا. في النهاية، قد لا يكون المنتصر هو من يوجه الضربة الأقوى، بل من يستطيع أن يتحمل الألم أطول، وأن يجد مخرجا سياسيا قبل أن يتحول الاستنزاف إلى هزيمة استراتيجية. والسؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة، قصرت أو طالت، ليس من يستطيع مواصلة حرب الاستنزاف؟ بل من سيصرخ أولا ويطلب مخرجا؟
بدرالدّين السّيّاري 
 

تعليقات الفيسبوك