مع الشروق :الناتو بين التشقّق والارتهان

مع الشروق :الناتو بين التشقّق والارتهان

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/07

لم يعد الحديث عن تصدّع داخل حلف شمال الأطلسي مجرّد تحليل نظري، بل أصبح واقعا تفرضه تطورات متسارعة على الساحة الدولية، فالتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين، وتهديدات الانسحاب الأمريكي، وإعادة تموضع القوات، كلّها مؤشرات تطرح سؤالا جوهريا حول ما يكشفه الوضع بين من يراه ضعفا للقدرات الأوروبية، وبين يضعه في خانة الارتهان للمظلّة الأمريكية.
خلال الأشهر الأخيرة، شهد الناتو سلسلة من الهزّات غير المسبوقة، فقد لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددا بإمكانية الانسحاب من الحلف، وبدأت واشنطن بالفعل في سحب آلاف الجنود من ألمانيا، في خطوة اعتبرها مراقبون تهديدا مباشرا لوحدة الحلف، كما أثارت تصريحات مسؤولين أمريكيين حول «هشاشة الناتو» وضرورة تحمّل الأوروبيين مسؤولية أكبر، حالة من القلق داخل العواصم الأوروبية.
وفي موازاة ذلك، تصاعدت الخلافات السياسية، خاصة بعد انتقادات ألمانية للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، ما أدّى إلى توتر غير مسبوق بين واشنطن وبرلين، حيث لم يعد الأمر يقتصر على خلافات ظرفية، بل بات يعكس تباينا عميقا في الرؤى الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي.
يُجمع أغلب الخبراء على أن أحد أسباب هذا التصدّع يكمن في الاعتماد التاريخي لأوروبا على الولايات المتحدة في المجال الدفاعي، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بنت الدول الأوروبية أمنها على المظلّة الأمريكية، سواء من خلال الردع النووي أو القدرات العسكرية المتقدمة.
لكن تحميل أوروبا وحدها مسؤولية الأزمة يبقى قراءة منقوصة، فالمشكلة لا تتعلّق فقط بضعف القدرات، بل أيضا بطبيعة العلاقة داخل الحلف، فالناتو، منذ تأسيسه، لم يكن تحالفا متكافئا، بل كان قائما على قيادة أمريكية شبه مطلقة.
اليوم، ومع تبنّي واشنطن سياسة «أمريكا أولا»، بدأت هذه القيادة تتحوّل إلى أداة ضغط، فقد طالبت الولايات المتحدة الأوروبيين بتحمّل العبء الأكبر من الدفاع، بل حدّدت مواعيد زمنية لتسلّمهم مهام رئيسية داخل الحلف، كما لم تتردد في اتخاذ قرارات أحادية مثل سحب القوات أو تعديل الانتشار العسكري دون تنسيق كامل مع الحلفاء.
هذه السياسات كشفت أن الاعتماد الأوروبي على واشنطن لم يكن مجرد خيار، بل تحوّل إلى ارتهان استراتيجي جعل القارة رهينة للتقلّبات السياسية الأمريكية.
أمام هذا الواقع، بدأت أوروبا تعيد التفكير في منظومتها الدفاعية، فقد ارتفعت الأصوات المطالبة ببناء «أوروبا دفاعية» قادرة على التحرك بشكل مستقل، خاصة في ظل تراجع الثقة في الالتزام الأمريكي.
وتتجه عدة دول أوروبية إلى زيادة الإنفاق العسكري بشكل كبير وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية والبحث في آليات دفاع جماعي داخل الاتحاد الأوروبي وتقليص الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، بل إن بعض المبادرات المطروحة، مثل إنشاء «مجلس أمني أوروبي» أو تفعيل بند الدفاع المشترك في الاتحاد الأوروبي، تعكس رغبة حقيقية في تحقيق استقلال استراتيجي، ولو تدريجيا.
 غير أن هذه الجهود لا تزال في بداياتها، وتواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب قيادة موحدة، وتباين المصالح بين الدول الأوروبية، والقيود المالية.
وفي الحقيقة، لا يمكن اختزال أزمة الناتو في عامل واحد، فهي نتاج تفاعل معقّد بين ضعف نسبي في القدرات العسكرية الأوروبية واعتماد مفرط على الولايات المتحدة وتحوّل في الاستراتيجية الأمريكية نحو تقليص الالتزامات الخارجية وتغير طبيعة التهديدات من روسيا إلى الصين والحروب الهجينة، وبمعنى آخر، ما نشهده اليوم ليس فقط أزمة داخل الناتو، بل تحوّل في بنية النظام الدولي نفسه.
إنّ تصدّع الناتو لا يعني بالضرورة انهياره، لكنه بالتأكيد يشير إلى نهاية مرحلة تاريخية قامت على قيادة أمريكية مطلقة، وبداية مرحلة جديدة تبحث فيها أوروبا عن موقعها كقوّة مستقلة.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك