مع الشروق : المنطقة على حافة الانفجار مجددا
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/27
مجددا، تعود منطقة الشرق الأوسط إلى الوقوف على حافة الانفجار مع تصاعد التحشيد العسكري الأمريكي استعدادا لاحتمال استئناف العدوان ضد إيران، في مشهد يعكس أن المواجهة السابقة لم تضع حدا للصراع، بل ربما مهدت لجولة أكثر خطورة واتساعا.
فبينما يتحدّث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تدمير معظم القدرات العسكرية الإيرانية، تكشف التحركات الأمريكية عن استعدادات لعمليات جديدة قد تشمل المنشآت النووية والبنية التحتية والجزر الإيرانية، بالتوازي مع إرسال تعزيزات بحرية ووحدات من مشاة البحرية إلى المنطقة.
هذا التناقض يطرح سؤالا جوهريا إذا كانت واشنطن قد حقّقت بالفعل الأهداف العسكرية التي أعلنتها، فما الذي يدفعها إلى التفكير في جولة جديدة من الحرب؟ وهل يتعلّق الأمر بإزالة تهديد استراتيجي حقيقي، أم بمحاولة فرض معادلة سياسية جديدة بالقوة، بعدما أثبتت المواجهة أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الخصم أو التحكم في قراراته؟
لعلّ الأخطر أن الحديث عن استئناف الحرب يأتي في وقت لم تتّضح فيه استراتيجية أمريكية متماسكة لإنهاء الصراع، فالقصف مهما بلغت شدته، لا يضمن إسقاط النظام الإيراني، ولا يضمن القضاء على قدراته الصاروخية، ولا يمنع طهران من استخدام أوراقها الإقليمية والجغرافية والعسكرية للرد.
بل إن استهداف الجزر الإيرانية أو البنية التحتية الحيوية او الغزو البري قد ينقل المواجهة إلى مستوى مختلف، ويجعل المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن والمنشآت الحيوية في الخليج أمام مخاطر متزايدة.
في المقابل، تبدو إيران مستعدّة للتعامل مع التهديدات باعتبارها مقدمة لاحتمال استهداف وجود النظام نفسه، لا مجرد إضعاف قدراته العسكري، ومن هنا تأتي التحذيرات الإيرانية من رد غير مسبوق إذا تعرضت لهجوم جديد.
ومهما كانت حدود هذه التهديدات فإن تجاهلها سيكون خطأ استراتيجيا، لأن الرد الإيراني قد لا يقتصر على جبهة واحدة، بل يمكن أن يفتح مسارات متعددة للمواجهة، بما يهدد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة ويزيد الضغوط على الاقتصادات العالمية.
وسط ذلك كله يبدو أن المستفيد السياسي الأبرز من تجدد الحرب قد يكون رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواصل الدفع باتجاه إسقاط النظام الإيراني بالقوة.
فبالنسبة إليه، لا تمثل المواجهة فرصة لإضعاف خصم استراتيجي فحسب، بل قد تكون أيضا وسيلة لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية بما يخدم المصالح الصهيونية، وتعزيز صورته بوصفه قائدا يخوض معركة وجودية ضد ما يصفه الاحتلال بالتهديد الإيراني.
غير أن تحقيق الأهداف الصهيونية لا يعني بالضرورة تحقيق المصالح الأمريكية، فواشنطن هي التي ستتحمل قسطا كبيرا من كلفة المواجهة العسكرية والانتشار الطويل وحماية قواعدها وحلفائها، فضلا عن التداعيات الاقتصادية والأمنية لأي اضطراب واسع في المنطقة.
ولا يقل خطورة ايضا أن يؤدي التصعيد إلى إضعاف فرص الدبلوماسية، في وقت لا يزال فيه الوسطاء يحاولون إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، فكل تعزيز عسكري جديد يرفع منسوب الشكوك، وكل تهديد بتوسيع العمليات يجعل التراجع السياسي أكثر صعوبة، فيما تصبح أي ضربة محدودة مرشّحة للتحول إلى مواجهة أكبر بفعل الحسابات الخاطئة وسوء التقدير.
في المحصّلة لا يحتاج الشرق الأوسط إلى جولة جديدة من الحروب بقدر ما يحتاج إلى تسوية تمنع انفجار الصراع مجددا، فإيران ليست ساحة يمكن إخضاعها بضربة عسكرية، وامريكا لن تحصد بالضرورة من التصعيد سوى مزيد من الاستنزاف.
أما إذا اختارت واشنطن العودة إلى القوة قبل تحديد غاياتها وحدودها ومخرجها السياسي، فقد تجد المنطقة بأكملها تدفع ثمن حرب لا يعرف أحد أين ستتوقف، ولا من سيكون قادرا على احتواء تداعياتها.
بدرالدّين السّيّاري
مجددا، تعود منطقة الشرق الأوسط إلى الوقوف على حافة الانفجار مع تصاعد التحشيد العسكري الأمريكي استعدادا لاحتمال استئناف العدوان ضد إيران، في مشهد يعكس أن المواجهة السابقة لم تضع حدا للصراع، بل ربما مهدت لجولة أكثر خطورة واتساعا.
فبينما يتحدّث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تدمير معظم القدرات العسكرية الإيرانية، تكشف التحركات الأمريكية عن استعدادات لعمليات جديدة قد تشمل المنشآت النووية والبنية التحتية والجزر الإيرانية، بالتوازي مع إرسال تعزيزات بحرية ووحدات من مشاة البحرية إلى المنطقة.
هذا التناقض يطرح سؤالا جوهريا إذا كانت واشنطن قد حقّقت بالفعل الأهداف العسكرية التي أعلنتها، فما الذي يدفعها إلى التفكير في جولة جديدة من الحرب؟ وهل يتعلّق الأمر بإزالة تهديد استراتيجي حقيقي، أم بمحاولة فرض معادلة سياسية جديدة بالقوة، بعدما أثبتت المواجهة أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الخصم أو التحكم في قراراته؟
لعلّ الأخطر أن الحديث عن استئناف الحرب يأتي في وقت لم تتّضح فيه استراتيجية أمريكية متماسكة لإنهاء الصراع، فالقصف مهما بلغت شدته، لا يضمن إسقاط النظام الإيراني، ولا يضمن القضاء على قدراته الصاروخية، ولا يمنع طهران من استخدام أوراقها الإقليمية والجغرافية والعسكرية للرد.
بل إن استهداف الجزر الإيرانية أو البنية التحتية الحيوية او الغزو البري قد ينقل المواجهة إلى مستوى مختلف، ويجعل المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن والمنشآت الحيوية في الخليج أمام مخاطر متزايدة.
في المقابل، تبدو إيران مستعدّة للتعامل مع التهديدات باعتبارها مقدمة لاحتمال استهداف وجود النظام نفسه، لا مجرد إضعاف قدراته العسكري، ومن هنا تأتي التحذيرات الإيرانية من رد غير مسبوق إذا تعرضت لهجوم جديد.
ومهما كانت حدود هذه التهديدات فإن تجاهلها سيكون خطأ استراتيجيا، لأن الرد الإيراني قد لا يقتصر على جبهة واحدة، بل يمكن أن يفتح مسارات متعددة للمواجهة، بما يهدد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة ويزيد الضغوط على الاقتصادات العالمية.
وسط ذلك كله يبدو أن المستفيد السياسي الأبرز من تجدد الحرب قد يكون رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواصل الدفع باتجاه إسقاط النظام الإيراني بالقوة.
فبالنسبة إليه، لا تمثل المواجهة فرصة لإضعاف خصم استراتيجي فحسب، بل قد تكون أيضا وسيلة لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية بما يخدم المصالح الصهيونية، وتعزيز صورته بوصفه قائدا يخوض معركة وجودية ضد ما يصفه الاحتلال بالتهديد الإيراني.
غير أن تحقيق الأهداف الصهيونية لا يعني بالضرورة تحقيق المصالح الأمريكية، فواشنطن هي التي ستتحمل قسطا كبيرا من كلفة المواجهة العسكرية والانتشار الطويل وحماية قواعدها وحلفائها، فضلا عن التداعيات الاقتصادية والأمنية لأي اضطراب واسع في المنطقة.
ولا يقل خطورة ايضا أن يؤدي التصعيد إلى إضعاف فرص الدبلوماسية، في وقت لا يزال فيه الوسطاء يحاولون إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، فكل تعزيز عسكري جديد يرفع منسوب الشكوك، وكل تهديد بتوسيع العمليات يجعل التراجع السياسي أكثر صعوبة، فيما تصبح أي ضربة محدودة مرشّحة للتحول إلى مواجهة أكبر بفعل الحسابات الخاطئة وسوء التقدير.
في المحصّلة لا يحتاج الشرق الأوسط إلى جولة جديدة من الحروب بقدر ما يحتاج إلى تسوية تمنع انفجار الصراع مجددا، فإيران ليست ساحة يمكن إخضاعها بضربة عسكرية، وامريكا لن تحصد بالضرورة من التصعيد سوى مزيد من الاستنزاف.
أما إذا اختارت واشنطن العودة إلى القوة قبل تحديد غاياتها وحدودها ومخرجها السياسي، فقد تجد المنطقة بأكملها تدفع ثمن حرب لا يعرف أحد أين ستتوقف، ولا من سيكون قادرا على احتواء تداعياتها.
بدرالدّين السّيّاري