مع الشروق : المعلن والخفي في التردّد الأمريكي أمام إيران
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/17
طوال الأيام الماضية حبست المنطقة أنفاسها وتنوعت السيناريوهات والخطط لضرب الجمهورية الاسلامية الايرانية واسقاط نظامها وهو جعل المنطقة تقف فعلا على حافة انفجار كبير وسط تهديدات مباشرة، وتسريبات إعلامية وحملة سياسية قادتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أوحت بأن قرار الحرب قد اتّخذ رسميا .. لكن فجأة، وكما حدث مرارا في سياسات ترامب، انقلب الخطاب رأسا على عقب، وتراجع التهديد، وخرجت واشنطن تبحث عن تبرير مقنع لهذا التراجع.
الإدارة الأمريكية أعلنت ان سبب تغيير موقفها يعود إلى توقّف الإعدامات بحق المحتجين في إيران مقدمة ذلك كدليل على ان الضغط الأمريكي أتى ثماره، وأن لا مبرر لمواصلة التصعيد العسكري.
ترامب نفسه تحدّث عن تقارير موثوقة تؤكّد توقف عمليات القتل وأوحى بأن تغيير السلوك الإيراني هو ما دفعه إلى صرف النظر عن الحرب، مؤكدا في الوقت نفسه أنه يريد حربا تسقط النظام، لا حرب استنزاف تمتد أسابيع او شهورا .
غير أن هذا التبرير لم يقنع كثيرين في المنطقة، ولا حتى داخل الأوساط السياسية والإعلامية ، فالرئيس الأمريكي الذي دعا قبل ساعات من التحول المفاجئ المحتجين إلى احتلال المؤسسات وهدّد بعقاب قاس إذا نفذت الإعدامات شنقا، عاد فجأة ليعلن الاطمئنان إلى الوضع الإنساني، في تناقض صارخ يعكس ارتباكا وضبابية وحيرة .
وكانت الحيرة هنا مشروعة والتساؤلات مبررة ، فهل يعقل أن تتراجع واشنطن عن حرب كبرى فقط لأن طهران غيرت تكتيكها الداخلي؟
ويبدو ان القراءة الأقرب إلى الواقع تشير إلى أن التراجع الأمريكي كان نتيجة حسابات الكلفة والتداعيات علما وان ايران قد هدّدت خلال اليومين الماضيين بحرق القواعد الأمريكية المنتشرة في الدول الخليجية . وقد حذرب تقارير عسكرية امريكية من أن الحرب مع إيران لن تكون خاطفة، وأن الرد الإيراني سيحوّلها إلى مواجهة مفتوحة تستنزف الولايات المتحدة وتهدد قواعدها العسكرية في الخليج، وتعرض أساطيلها للخطر، ناهيك عن احتمال إغلاق مضائق بحرية حيوية وتعطيل التجارة العالمية. كما أن الكيان الصهيوني نفسه، وفق هذه التقارير، أبدى مخاوف جدية من ثمن باهظ ستدفعه في حال اندلاع الحرب، مع غياب قدرة حقيقية على تحمّل ضربات صاروخية واسعة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل دور الوساطات الخليجية والإقليمية، حيث برزت تحركات قطر وعمان والسعودية ومصر وتركيا لإقناع واشنطن بمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة .. هذه الوساطات، وإن لم تكن الدافع الوحيد الا انها قد وفرّت مخرجا سياسيا لترامب من حرب بدت مكلفة قبل أن تبدأ...
كل هذا يكشف في المحصلة ان التردد الأمريكي أمام إيران قد كشف حدود القوة حين تصطدم بحسابات الواقع على الارض .. ومع ذلك، لا بد لايران ان تتخذ أعلى درجات الحذر، إذ لا يمكن الوثوق كليا إلى هذا التراجع الأمريكي المعلن، ولا التعامل معه بوصفه موقفا نهائيا لإدارة ترامب... فالرئيس الأمريكي اعتاد توظيف المفاجآت والمناورات السياسية، وقد يكون ما يجري مجرد لعبة خداع خطيرة، توحي بأن خيار الحرب قد جُمد ، فيما هو في الواقع تكتيك مرحلي خبيث يهدف إلى خفض مستوى التوتر مؤقتا، وإرباك الخصم، وإعادة ترتيب الأوراق تمهيدا للعودة بقوة أكبر إلى تنفيذ المخطط الأخطر ضد إيران، عندما تتوافر الظروف التي يراها مناسبة.
ناجح بن جدو
طوال الأيام الماضية حبست المنطقة أنفاسها وتنوعت السيناريوهات والخطط لضرب الجمهورية الاسلامية الايرانية واسقاط نظامها وهو جعل المنطقة تقف فعلا على حافة انفجار كبير وسط تهديدات مباشرة، وتسريبات إعلامية وحملة سياسية قادتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أوحت بأن قرار الحرب قد اتّخذ رسميا .. لكن فجأة، وكما حدث مرارا في سياسات ترامب، انقلب الخطاب رأسا على عقب، وتراجع التهديد، وخرجت واشنطن تبحث عن تبرير مقنع لهذا التراجع.
الإدارة الأمريكية أعلنت ان سبب تغيير موقفها يعود إلى توقّف الإعدامات بحق المحتجين في إيران مقدمة ذلك كدليل على ان الضغط الأمريكي أتى ثماره، وأن لا مبرر لمواصلة التصعيد العسكري.
ترامب نفسه تحدّث عن تقارير موثوقة تؤكّد توقف عمليات القتل وأوحى بأن تغيير السلوك الإيراني هو ما دفعه إلى صرف النظر عن الحرب، مؤكدا في الوقت نفسه أنه يريد حربا تسقط النظام، لا حرب استنزاف تمتد أسابيع او شهورا .
غير أن هذا التبرير لم يقنع كثيرين في المنطقة، ولا حتى داخل الأوساط السياسية والإعلامية ، فالرئيس الأمريكي الذي دعا قبل ساعات من التحول المفاجئ المحتجين إلى احتلال المؤسسات وهدّد بعقاب قاس إذا نفذت الإعدامات شنقا، عاد فجأة ليعلن الاطمئنان إلى الوضع الإنساني، في تناقض صارخ يعكس ارتباكا وضبابية وحيرة .
وكانت الحيرة هنا مشروعة والتساؤلات مبررة ، فهل يعقل أن تتراجع واشنطن عن حرب كبرى فقط لأن طهران غيرت تكتيكها الداخلي؟
ويبدو ان القراءة الأقرب إلى الواقع تشير إلى أن التراجع الأمريكي كان نتيجة حسابات الكلفة والتداعيات علما وان ايران قد هدّدت خلال اليومين الماضيين بحرق القواعد الأمريكية المنتشرة في الدول الخليجية . وقد حذرب تقارير عسكرية امريكية من أن الحرب مع إيران لن تكون خاطفة، وأن الرد الإيراني سيحوّلها إلى مواجهة مفتوحة تستنزف الولايات المتحدة وتهدد قواعدها العسكرية في الخليج، وتعرض أساطيلها للخطر، ناهيك عن احتمال إغلاق مضائق بحرية حيوية وتعطيل التجارة العالمية. كما أن الكيان الصهيوني نفسه، وفق هذه التقارير، أبدى مخاوف جدية من ثمن باهظ ستدفعه في حال اندلاع الحرب، مع غياب قدرة حقيقية على تحمّل ضربات صاروخية واسعة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل دور الوساطات الخليجية والإقليمية، حيث برزت تحركات قطر وعمان والسعودية ومصر وتركيا لإقناع واشنطن بمنح الدبلوماسية فرصة أخيرة .. هذه الوساطات، وإن لم تكن الدافع الوحيد الا انها قد وفرّت مخرجا سياسيا لترامب من حرب بدت مكلفة قبل أن تبدأ...
كل هذا يكشف في المحصلة ان التردد الأمريكي أمام إيران قد كشف حدود القوة حين تصطدم بحسابات الواقع على الارض .. ومع ذلك، لا بد لايران ان تتخذ أعلى درجات الحذر، إذ لا يمكن الوثوق كليا إلى هذا التراجع الأمريكي المعلن، ولا التعامل معه بوصفه موقفا نهائيا لإدارة ترامب... فالرئيس الأمريكي اعتاد توظيف المفاجآت والمناورات السياسية، وقد يكون ما يجري مجرد لعبة خداع خطيرة، توحي بأن خيار الحرب قد جُمد ، فيما هو في الواقع تكتيك مرحلي خبيث يهدف إلى خفض مستوى التوتر مؤقتا، وإرباك الخصم، وإعادة ترتيب الأوراق تمهيدا للعودة بقوة أكبر إلى تنفيذ المخطط الأخطر ضد إيران، عندما تتوافر الظروف التي يراها مناسبة.
ناجح بن جدو