مع الشروق : الصمود يغيّر خرائط القوة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/26
في لحظة دولية مشحونة بالتوتر، تبدو الحرب التي تُشنّ على إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، إنها محطة مفصلية تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط وتكشف عن تحولات عميقة في النظام الدولي برمّته، فالصمود الإيراني رغم الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية، لم يكن مجرد ردّ فعل ظرفي، بل تحوّل إلى عامل مؤثر في معادلة القوة الإقليمية، بما يطرح أسئلة جدية حول مستقبل الهيمنة الأحادية التي طبعت العقود الماضية.
لقد اعتادت إسرائيل أن تتحرك في محيط إقليمي تملك فيه تفوقا عسكريا شبه مطلق، مستندة إلى دعم أمريكي غير مشروط، وإلى واقع عربي مفكك، غير أن هذه المعادلة لم تعد قائمة بالشكل ذاته اليوم، فإيران بما راكمته من قدرات عسكرية وصاروخية، فرضت نفسها كقوة موازنة قادرة على الردع والتأثير، وهذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية التفوق الإسرائيلي، لكنه بالتأكيد أنهى فكرة «الهيمنة المطلقة» التي لطالما اعتمدت عليها تل أبيب في سياساتها.
في المقابل، تكشف هذه الحرب عن شرخ متزايد داخل المعسكر الغربي نفسه، فمواقف عدد من الدول الأوروبية، التي أبدت تحفظا واضحا على الانخراط في مواجهة مفتوحة، تعكس تباينا في الرؤى مع الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على التصعيد، حيث أن رفض حلف شمال الأطلسي الانجرار إلى هذه الحرب لم يكن تفصيلا عابرا، بقدر ما شكّل مؤشرا على أن أوروبا لم تعد مستعدة لدفع كلفة مغامرات عسكرية لا تخدم مصالحها المباشرة، خصوصا في ظل أزمات اقتصادية وطاقية داخلية.
هذا التباين يعكس واقعا جديدا، مفاده أن الغرب لم يعد كتلة واحدة متماسكة كما كان في السابق، فالمصالح الوطنية بدأت تتقدم على التحالفات التقليدية، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الدولية، وفي هذا السياق، يبدو أن صمود إيران لا يقتصر أثره على الميدان العسكري، بل يمتد ليغذي ديناميكيات أوسع تدفع نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث تتراجع قدرة قوة واحدة على فرض إرادتها على الجميع.
إن بروز قوى إقليمية فاعلة، مثل إيران، بالتوازي مع صعود قوى دولية كالصين وروسيا، يسرّع من هذا التحول، فالعالم يشهد في لحظته الراهنة إعادة توزيع للأدوار، لم تعد فيه الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على رسم السياسات الدولية، بل إن التحديات التي تواجهها، سواء من خصومها أو حتى من داخل تحالفاتها، تؤكد أن زمن السيطرة المنفردة يقترب من نهايته.
غير أن هذا التحول لا يخلو من المخاطر، فانتقال العالم من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب غالبا ما يكون مصحوبا باضطرابات وصراعات، نتيجة غياب توازن مستقر في مرحلة الانتقال، وهو ما يجعل من الضروري أن تُدار هذه التحولات بحكمة، لتفادي الانزلاق نحو مواجهات أوسع قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.
في النهاية، لا يمكن قراءة الصمود الإيراني بمعزل عن هذا السياق الدولي المتغير، فهو ليس فقط تعبيرا عن قدرة دولة على مواجهة الضغوط، بل هو أيضا علامة على تحوّل أعمق في بنية النظام العالمي، ومع استمرار هذه التحولات، يبدو أن الشرق الأوسط، الذي ظل لعقود ساحة لتصفية الصراعات، قد يتحول إلى أحد أهم مفاتيح تشكّل العالم الجديد الذي يُبنى أمام أعيننا.
هاشم بوعزيز
في لحظة دولية مشحونة بالتوتر، تبدو الحرب التي تُشنّ على إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، إنها محطة مفصلية تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط وتكشف عن تحولات عميقة في النظام الدولي برمّته، فالصمود الإيراني رغم الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية، لم يكن مجرد ردّ فعل ظرفي، بل تحوّل إلى عامل مؤثر في معادلة القوة الإقليمية، بما يطرح أسئلة جدية حول مستقبل الهيمنة الأحادية التي طبعت العقود الماضية.
لقد اعتادت إسرائيل أن تتحرك في محيط إقليمي تملك فيه تفوقا عسكريا شبه مطلق، مستندة إلى دعم أمريكي غير مشروط، وإلى واقع عربي مفكك، غير أن هذه المعادلة لم تعد قائمة بالشكل ذاته اليوم، فإيران بما راكمته من قدرات عسكرية وصاروخية، فرضت نفسها كقوة موازنة قادرة على الردع والتأثير، وهذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية التفوق الإسرائيلي، لكنه بالتأكيد أنهى فكرة «الهيمنة المطلقة» التي لطالما اعتمدت عليها تل أبيب في سياساتها.
في المقابل، تكشف هذه الحرب عن شرخ متزايد داخل المعسكر الغربي نفسه، فمواقف عدد من الدول الأوروبية، التي أبدت تحفظا واضحا على الانخراط في مواجهة مفتوحة، تعكس تباينا في الرؤى مع الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على التصعيد، حيث أن رفض حلف شمال الأطلسي الانجرار إلى هذه الحرب لم يكن تفصيلا عابرا، بقدر ما شكّل مؤشرا على أن أوروبا لم تعد مستعدة لدفع كلفة مغامرات عسكرية لا تخدم مصالحها المباشرة، خصوصا في ظل أزمات اقتصادية وطاقية داخلية.
هذا التباين يعكس واقعا جديدا، مفاده أن الغرب لم يعد كتلة واحدة متماسكة كما كان في السابق، فالمصالح الوطنية بدأت تتقدم على التحالفات التقليدية، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الدولية، وفي هذا السياق، يبدو أن صمود إيران لا يقتصر أثره على الميدان العسكري، بل يمتد ليغذي ديناميكيات أوسع تدفع نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث تتراجع قدرة قوة واحدة على فرض إرادتها على الجميع.
إن بروز قوى إقليمية فاعلة، مثل إيران، بالتوازي مع صعود قوى دولية كالصين وروسيا، يسرّع من هذا التحول، فالعالم يشهد في لحظته الراهنة إعادة توزيع للأدوار، لم تعد فيه الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على رسم السياسات الدولية، بل إن التحديات التي تواجهها، سواء من خصومها أو حتى من داخل تحالفاتها، تؤكد أن زمن السيطرة المنفردة يقترب من نهايته.
غير أن هذا التحول لا يخلو من المخاطر، فانتقال العالم من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب غالبا ما يكون مصحوبا باضطرابات وصراعات، نتيجة غياب توازن مستقر في مرحلة الانتقال، وهو ما يجعل من الضروري أن تُدار هذه التحولات بحكمة، لتفادي الانزلاق نحو مواجهات أوسع قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.
في النهاية، لا يمكن قراءة الصمود الإيراني بمعزل عن هذا السياق الدولي المتغير، فهو ليس فقط تعبيرا عن قدرة دولة على مواجهة الضغوط، بل هو أيضا علامة على تحوّل أعمق في بنية النظام العالمي، ومع استمرار هذه التحولات، يبدو أن الشرق الأوسط، الذي ظل لعقود ساحة لتصفية الصراعات، قد يتحول إلى أحد أهم مفاتيح تشكّل العالم الجديد الذي يُبنى أمام أعيننا.
هاشم بوعزيز