مع الشروق : الخبز «الصافي»!
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/13
الخبز في الوجدان التونسي ليس مجرد طعام يسد الرمق، بل هو كنه ‹المعيشة›، وعنوان للصبر والعمل، ومن أجله خاضت تونس ملاحم وجودية ستبقى خالدة في الذاكرة ..
يتصدر اليوم الخبز الجدل العام بعد قرار الدولة رفع نسبة استخراج الدقيق من القمح اللين الى 85 % بدلا من 78 % سابقا.. هذا التحول ، ورغم تغليفه بخطاب «الفوائد الصحية» التي روج لها البعض من المحللين وخبراء التغذية، يفتح باب التساؤل حول أسبابه الحقيقية وأثره الفعلي على الصحة والطعام في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار شمل كل المواد الغذائية تقريبا.
لكن رغم أهمية هذا الإجراء، فإن القول بأن الخبز الجديد يحقق فوائد صحية هامة بسبب احتوائه على الالياف يبدو مبالغ فيه ، فالمواطن الذي يواجه ارتفاع أسعار اللحوم والاسماك أصبح يعتمد في غذائه أساسا على الخضروات الغنية أصلا بالالياف.
لذا يرى البعض أن الدافع الحقيقي لهذا القرار اقتصادي بالدرجة الأولى ويهدف الى تقليص كلفة الدعم والحد من تسريب الدقيق الأبيض الى الحلويات والمخابز غير المصنفة ،وهو إجراء كان من الأجدى أن يرافقه مراجعة التسعيرة الرسمية للخبز ، فالمستهلك يقتني الباقات ب 200 مليم عوضا عن 190 مليما ، والخبز الكبير ب 250 عوضا عن 230 مليما، بذريعة نقص «الصرف»، وكان بالأحرى مأسسة هذه الأسعار لتستفيد منها ميزانية الدولة.
وفي غياب تفسير من المصادر الرسمية ، يمكن القول ان السبب الرئيسي لتغيير" الخبزة "يكمن في لغة الأرقام ، إذ تستورد تونس سنويا نحو 2.5 مليون طن من الحبوب، ومقابل هذا الجهد الوطني لتأمين هذه المادة الاساسية، تُشير الإحصائيات الرسمية الى نزيف موجع بسبب ضياع قرابة 900 ألف خبزة يوميا تُلقى في المزابل ،هذا الهدر الذي تتجاوز قيمته السنوية 100 مليون دينار، يعكس خللا بنيويا في ثقافة الاستهلاك بل وغيابا للمسؤولية الجماعية .
التحول من الخبز الصافي الى الخبز بالنخالة ، جعل البعض يستحضر سيناريو «الأكياس البلاستيكية» حين مُنعت وعوّضت بالورقية حماية للبيئة كما تم التسويق لذلك ، وقد وجد المواطن نفسه بعد هذا الاجراء يدفع ثمن الكيس البلاستيكي الذي صار يُباع جهارا بعد أن كان بديلا مجانيا ، والخوف اليوم أن يدفع المواطن كلفة هذا التغيير كما دفع كلفة الكيس البلاستيكي ..
رسالة الحكومة وان لم تعلنها صراحة تقول : تغيير خصائص الخبز حتمية يفرضها الواقع ، وفي هذا القرار اختبار لمدى قبول التونسي لهذا التغيير، وامتحان لضمير المهنة وصرامة الدولة في حماية حق المواطن حتى لا تتحول «النعمة» الى وسيلة تخدم ميزانية الدولة فقط دون مراعاة المستهلك الذي تفاجأ بخبز جديد وهو الذي تعود على «الباقات» و»الطليان» و»الفينوا « و»اللفيف» دون نخالة منذ عقود.
وفي انتظار خبز بالنخالة ساخن يحترم ذوق التونسي ويساهم في الحد من نزيف العملة وتلاعب المضاربين ، يبقى الرغيف حاملا في طياته معاني اجتماعية تتجاوز البطون الى معان اكثر عمق ورمزية في الثقافة والوجدان..
راشد شعور
الخبز في الوجدان التونسي ليس مجرد طعام يسد الرمق، بل هو كنه ‹المعيشة›، وعنوان للصبر والعمل، ومن أجله خاضت تونس ملاحم وجودية ستبقى خالدة في الذاكرة ..
يتصدر اليوم الخبز الجدل العام بعد قرار الدولة رفع نسبة استخراج الدقيق من القمح اللين الى 85 % بدلا من 78 % سابقا.. هذا التحول ، ورغم تغليفه بخطاب «الفوائد الصحية» التي روج لها البعض من المحللين وخبراء التغذية، يفتح باب التساؤل حول أسبابه الحقيقية وأثره الفعلي على الصحة والطعام في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار شمل كل المواد الغذائية تقريبا.
لكن رغم أهمية هذا الإجراء، فإن القول بأن الخبز الجديد يحقق فوائد صحية هامة بسبب احتوائه على الالياف يبدو مبالغ فيه ، فالمواطن الذي يواجه ارتفاع أسعار اللحوم والاسماك أصبح يعتمد في غذائه أساسا على الخضروات الغنية أصلا بالالياف.
لذا يرى البعض أن الدافع الحقيقي لهذا القرار اقتصادي بالدرجة الأولى ويهدف الى تقليص كلفة الدعم والحد من تسريب الدقيق الأبيض الى الحلويات والمخابز غير المصنفة ،وهو إجراء كان من الأجدى أن يرافقه مراجعة التسعيرة الرسمية للخبز ، فالمستهلك يقتني الباقات ب 200 مليم عوضا عن 190 مليما ، والخبز الكبير ب 250 عوضا عن 230 مليما، بذريعة نقص «الصرف»، وكان بالأحرى مأسسة هذه الأسعار لتستفيد منها ميزانية الدولة.
وفي غياب تفسير من المصادر الرسمية ، يمكن القول ان السبب الرئيسي لتغيير" الخبزة "يكمن في لغة الأرقام ، إذ تستورد تونس سنويا نحو 2.5 مليون طن من الحبوب، ومقابل هذا الجهد الوطني لتأمين هذه المادة الاساسية، تُشير الإحصائيات الرسمية الى نزيف موجع بسبب ضياع قرابة 900 ألف خبزة يوميا تُلقى في المزابل ،هذا الهدر الذي تتجاوز قيمته السنوية 100 مليون دينار، يعكس خللا بنيويا في ثقافة الاستهلاك بل وغيابا للمسؤولية الجماعية .
التحول من الخبز الصافي الى الخبز بالنخالة ، جعل البعض يستحضر سيناريو «الأكياس البلاستيكية» حين مُنعت وعوّضت بالورقية حماية للبيئة كما تم التسويق لذلك ، وقد وجد المواطن نفسه بعد هذا الاجراء يدفع ثمن الكيس البلاستيكي الذي صار يُباع جهارا بعد أن كان بديلا مجانيا ، والخوف اليوم أن يدفع المواطن كلفة هذا التغيير كما دفع كلفة الكيس البلاستيكي ..
رسالة الحكومة وان لم تعلنها صراحة تقول : تغيير خصائص الخبز حتمية يفرضها الواقع ، وفي هذا القرار اختبار لمدى قبول التونسي لهذا التغيير، وامتحان لضمير المهنة وصرامة الدولة في حماية حق المواطن حتى لا تتحول «النعمة» الى وسيلة تخدم ميزانية الدولة فقط دون مراعاة المستهلك الذي تفاجأ بخبز جديد وهو الذي تعود على «الباقات» و»الطليان» و»الفينوا « و»اللفيف» دون نخالة منذ عقود.
وفي انتظار خبز بالنخالة ساخن يحترم ذوق التونسي ويساهم في الحد من نزيف العملة وتلاعب المضاربين ، يبقى الرغيف حاملا في طياته معاني اجتماعية تتجاوز البطون الى معان اكثر عمق ورمزية في الثقافة والوجدان..
راشد شعور