مع الشروق : البحث العلمي ورهانات الاقتصاد

مع الشروق : البحث العلمي ورهانات الاقتصاد

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/30

لم يعد نجاح الدول في عالمنا اليوم، يقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو منشآت صناعية، بل أصبح يقاس قبل كل شيء، بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، والبحث العلمي إلى مشاريع، والكفاءات الشابة إلى محرك للنمو والابتكار، وفي عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية بصورة غير مسبوقة، لم تعد الجامعة فضاءً لإنتاج الشهادات فحسب، بل أصبحت شريكا أساسيا في صناعة الثروة، ومختبرا للأفكار التي يمكن أن تتحول إلى شركات ومنتجات وحلول تغير وجه الاقتصاد.
وفي هذا السياق، تبدو تونس أمام فرصة مهمة لإعادة صياغة العلاقة بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية، بحيث تتحول من علاقة محدودة في بعض المجالات إلى شراكة استراتيجية دائمة، يكون هدفها الأول الاستثمار في العقل التونسي وتوجيهه نحو خدمة التنمية الوطنية، فبلادنا تزخر بآلاف الطلبة والباحثين والأساتذة الذين ينجزون سنويا بحوثا ودراسات ورسائل علمية ذات قيمة، لكن جزءا مهما منها يبقى حبيس رفوف المكتبات، في حين يمكن أن يتحول إلى مشاريع صناعية أو تكنولوجية أو خدمات مبتكرة إذا وجد الجسر الذي يربطه بحاجيات الاقتصاد.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصادات الأكثر تنافسية هي تلك التي نجحت في جعل الجامعات جزءا من منظومة الإنتاج، ففي الولايات المتحدة، كانت الجامعات الكبرى مثل ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وراء ولادة آلاف الشركات الناشئة التي أصبحت اليوم من أكبر المؤسسات العالمية، وفي ألمانيا وكوريا الجنوبية وفنلندا، تقوم العلاقة بين مراكز البحث والمؤسسات الصناعية على شراكة يومية، حيث تتحول نتائج البحوث إلى منتجات، وتتحول المصانع إلى فضاءات للتجريب والتطوير، بما يضمن تجدد الابتكار واستمرار القدرة التنافسية.
أما في تونس، فإن الإمكانات البشرية موجودة دون شك، فالجامعات التونسية يتخرج منها آلاف المهندسين، وخبراء الإعلامية، والباحثين، والمختصين في العلوم الدقيقة، والذكاء الاصطناعي، والطاقات المتجددة، والعلوم الطبية، وهي اختصاصات أصبحت تمثل اليوم قلب الاقتصاد العالمي الجديد، لكن التحدي لا يكمن في تكوين الكفاءات فقط، بل في تحويل المعرفة إلى مشاريع منتجة.
إن ربط الجامعات بالمؤسسات الاقتصادية من شأنه أن يحقق فوائد متبادلة، فالجامعة ستصبح أكثر قدرة على توجيه بحوثها نحو القضايا الحقيقية التي تواجه المؤسسات، بينما ستستفيد الشركات من حلول علمية مبتكرة تساعدها على تحسين الإنتاج، وخفض التكاليف، ورفع قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية، كما سيجد الطالب نفسه أكثر احتكاكا بعالم الشغل منذ سنوات الدراسة، وهو ما يسهل اندماجه المهني ويمنحه خبرة عملية إلى جانب تكوينه الأكاديمي.
ولا يقتصر أثر هذه الشراكة على الجانب الاقتصادي، بل يمتد أيضا إلى الحد من هجرة الكفاءات، فكثير من الباحثين والمهندسين يغادرون بحثا عن بيئة تسمح لهم بتطوير أفكارهم وإنجاز مشاريعهم، وعندما يجد الشاب داخل تونس شركة تؤمن بفكرته، وتمويلا لبحثه، وفرصة لتحويل مشروع تخرجه إلى مؤسسة ناشئة، فإن دافع الهجرة سيتراجع تدريجيا، لأن النجاح سيصبح ممكنا داخل الوطن.
كما أن المؤسسات الاقتصادية مطالبة اليوم بالنظر إلى البحث العلمي باعتباره استثمارا طويل المدى، وليس مجرد نشاط أكاديمي بعيد عن اهتماماتها، فكل دينار يُخصص لدعم مشروع بحثي أو لتمويل مختبر جامعي أو لاحتضان شركة ناشئة، يمكن أن يتحول مستقبلا إلى منتج جديد، أو براءة اختراع، أو خدمة ذات قيمة مضافة، أو سوق جديدة، وهو ما ينعكس إيجابا على المؤسسة نفسها وعلى الاقتصاد الوطني.
ولا شك أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يفتحان اليوم آفاقا غير مسبوقة أمام هذه الشراكة، فالمؤسسات تبحث عن حلول ذكية لتحسين الإنتاج والخدمات، بينما يطور الباحثون في الجامعات خوارزميات وتطبيقات وتقنيات يمكن أن تستجيب لهذه الحاجيات، وإذا نجح الطرفان في العمل ضمن منظومة واحدة، فإن تونس ستكون قادرة على بناء اقتصاد يقوم على الابتكار وعلى تصدير الحلول التكنولوجية.
إن مستقبل الاقتصاد التونسي يبنى في جانب منه بالاستثمار في الإنسان، وفي المعرفة، وفي الأفكار التي يحملها شباب الجامعات، وعندما تصبح الجامعة مصنعا للابتكار، وتصبح المؤسسة الاقتصادية شريكا في صناعة المعرفة، ستتغير معادلة التنمية، وسيتحول رأس المال البشري إلى أكبر ميزة تنافسية تمتلكها تونس.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك