مع الشروق : إيران وأمريكا: لحظات حاسمة وسيناريوهات محتملة

مع الشروق : إيران وأمريكا: لحظات حاسمة وسيناريوهات محتملة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/22

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد جولة جديدة من لعبة الضغط والتهديد المتبادل، بل تبدو اليوم وكأنها وصلت إلى لحظة حاسمة ستحدد المسار الذي ستسلكه الحرب خلال المرحلة المقبلة.
فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن «منعطف حاسم» واقتراب اتخاذ قرار بشأن مستقبل المواجهة، بالتزامن مع تهديدات إيرانية بالرد على أي هجوم أمريكي جديد، تعكس انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر خطورة، حيث تضيق مساحة المناورة وتتسع احتمالات الخطأ في الحسابات.
ويضع ترامب أمام طهران ثلاثة خيارات واضحة، وهي اتفاق جديد أو استمرار الضغط والخنق الاقتصادي، أو تصعيد عسكري قد يصل إلى مستويات غير مسبوقة، لكن المفارقة أن واشنطن، وهي ترفع سقف التهديدات، لا تغلق الباب أمام الدبلوماسية، فيما تحاول طهران بدورها الجمع بين خطاب المواجهة والاستعداد للتفاوض، ولكن من دون تقديم نفسها في موقع الطرف الذي اضطر إلى الاستسلام تحت الضغط.
وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة، فالمواجهة لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث في ساحات القتال، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بما يجري داخل غرف القرار في واشنطن وطهران، فبينما تريد أمريكا تحويل تفوقها العسكري والاقتصادي إلى تنازلات سياسية، تراهن إيران على أن كلفة الحرب، بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها، يمكن أن تصبح مرتفعة إلى درجة تدفعهم إلى البحث عن تسوية.
السيناريو الأكثر خطورة يبقى العودة إلى الضربات الواسعة، وقد تبدأ بضربة محددة أو عملية عسكرية كبيرة تستهدف مواقع إيرانية، لكن المشكلة لن تكون في الضربة الأولى بقدر ما ستكون في اليوم التالي لها.
فطهران توعدت بالرد على القواعد والمصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة، ما يعني أن أي هجوم جديد قد يفتح سلسلة من الردود والردود المضادة، تمتد من إيران إلى الخليج والبحر الأحمر وربما إلى ساحات أخرى.
أما السيناريو الثاني، فهو حرب استنزاف طويلة لا تنتهي بانتصار عسكري واضح لأي طرف، و هنا تتحول العقوبات والضغط على صادرات النفط والاقتصاد الإيراني إلى سلاح رئيسي، في مقابل محاولة طهران الصمود واستخدام أوراقها الإقليمية للضغط على واشنطن وحلفائها.
أما الطريق الثالث، فهو العودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن ليس بالضرورة في صورة اتفاق سريع، فالفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة، وواشنطن تريد اتفاقاً يتجاوز الملف النووي، بينما تصر طهران على شروط تجعل أي تفاوض قائماً على الندية، وترفض أن يتحول الحوار إلى غطاء لتنازلات أحادية الجانب.
وتكتسب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها توفر نافذة دبلوماسية يمكن من خلالها اختبار إمكانية فتح قناة سياسية، خصوصا مع وجود مسؤولين إيرانيين وأمريكيين في نيويورك، لكن وجود فرصة للتفاوض لا يعني بالضرورة نجاحها، فقد تتحول الاجتماعات نفسها إلى منصة لتبادل الرسائل والتهديدات إذا بقيت شروط الطرفين متباعدة.
في خلفية كل ذلك، يقف عامل لا يقل أهمية وهو الداخل الأمريكي والإيراني، فترامب يقترب من انتخابات التجديد النصفي، وأي حرب طويلة قد تحمل كلفة سياسية واقتصادية، خصوصاً إذا انعكست على أسعار الطاقة والمستهلك الأمريكي.
وفي إيران، تمثل العقوبات والحصار والحرب ضغوطا متراكمة على الاقتصاد والمجتمع، ما يجعل القيادة أمام معادلة شديدة التعقيد، كيف تحافظ على الردع من دون الانجرار إلى حرب تستنزفها؟
لهذا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى اختبار أعصاب متبادل، واشنطن تريد أن تثبت أن تهديداتها قابلة للتنفيذ، وطهران تريد أن تثبت أن كلفة مهاجمتها ستكون مرتفعة، وبين الرسالتين، تقف المنطقة بأكملها أمام احتمالين متناقضين: تصعيد يفتح أبوابا جديدة للحرب، أو تفاوض يأتي بعد أن يدرك الطرفان أن لا أحد يستطيع الحصول على كل شيء بالقوة.
بدرالدّين السّيّاري

تعليقات الفيسبوك