مع الشروق : إرهاصات سقوط الامبراطورية الأمريكية؟!

مع الشروق : إرهاصات سقوط الامبراطورية الأمريكية؟!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/01/14

في حملته الانتخابية الأخيرة رفع الرئيس الأمريكي ـ ترامب ـ شعار: «لنجعل أمريكا قوية مجدّدا» (Make America Great Again).
وواضح أنه وضع هذا الشعار الكبير موضع التنفيذ ليدخل أمريكا والعالم في سلسلة ـ مقاولات ـ لا تنتهي تبدأ بفرض رسوم جمركية مجحفة وتصل حتى التلويح باحتلال دول واختطاف رؤساء وتهديد كل من لا يرضخ لمشيئته بويلات آلة حربية مدمّرة يحتكم عليها ويتحكم فيها ويوظفها لترهيب خلق الله.
في شرع ترامب قوة أمريكا وعظمتها تبيح له اعتماد كل السياسات وكل السبل والوسائل حتى وان كان فيها دوس على القانون الدولي وازدراء بالأمم المتحدة واستهتار بحرمة رؤساء الدول وبسيادة واستقلال الدول. فقد انتهى مؤخرا بتتويج نفسه «ملكا» على العالم يأمر وينهى وما على البقية إلا الامتثال والطاعة. وقد فتح في ظرف أشهر معدودات من ولايته الثانية جبهات كثيرة وهو في طريقه لفتح المزيد منها لوضع يده على كل ما يرى أنه يساعد على استعادة قوة ومجد أمريكا.. وبالمحصلة لم تعد الدول التي تملك ثروات أو خيرات  من نفط وغاز ومن معادن نادرة تملك شيئا أو لنقل أنها تمتلك ثروات ـ مع تأجيل التنفيذ ـ في انتظار أن ينتبه إليها ترامب. وفي انتظار أن تطالها يداه ليختطفها ويضمها إلى خزائن أمريكا ويحولها إلى أرقام في سجلات صفقاته وفي دفاتر حساباته وحسابات الدولة الأمريكية.
فلقد سطا على قطاع غزة وحدّده لإقامة ـ ريفييرا ـ يجلب إليها كل أثرياء العالم قبل أن يراجع حساباته ويكتفي بنصفها الواقع خلف الخط الأصفر في انتظار أن يكمل حليفه نتنياهو تنفيذ خططه القاضية بتهجير سكان قطاع غزة وتسليم الأرض إلى ترامب لإقامة مشروعه الكبير ولاتخاذها قاعدة متقدّمة لخطة انجاز طريق ـ الهند ـ أوروبا مرورا بغزة وبشواطئها وكذلك شق قناة ـ بن غوريون ـ التي طالما حلم بها الصهاينة والأمريكان بهدف «تجفيف» المنابع لقناة السويس المصرية وتحويل أموال السفن العابرة إلى خزائن أمريكا والكيان.. وهي بالمناسبة نفس الخطة التي تعدّ لتحويل الحج من مكّة المكرمة إلى عسقلان الفلسطينية على اعتبار أنها موطن أب الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام وذلك بعد أن يستتب الأمر لما يسمى «الديانة الإبراهيمية» التي بدأت تشقّ طريقها ووجدت من العربان من يعتمدها ويبشر بها ويتطوع لتنفيذ المؤامرة الكبرى على الاسلام.
بعد قطاع غزة تطلع إلى كندا التي هدّد جهارا نهارا بضمّها. ثم اتجهت أنظاره إلى نفط فينزويلا وإلى معادنها النادرة.. لكن فينزويلا يحكمها رئيس متمرّد ومتمسك بسيادة وثروات بلاده. وهو ما يستدعي التدخل لاختطافه ووضع اليد على خيرات وثروات فينزويلا.. وبالمناسبة توجيه رسائل مضمونة الوصول إلى كل دول العالم المتمسّكة بسيادتها على ثرواتها وباستقلالها والرافضة أن تتحوّل إلى محمية أمريكية.. لتجد دول مثل كولومبيا وكوبا وإيران نفسها في قلب اعصار أمريكي يوشك أن يضربها في أية لحظة.
ليس هذا فقط بل ان ترامب التفت أيضا إلى البيت الأوروبي في مسعى بيّن لتقويضه وبعد تركيعه بالرسوم الجمركية وبأسعار الطاقة وابتزازه بمظلة الأطلسي وبفاتورة السلاح والحماية ها هو يمد يده ليخطف جزيرة «غرينلاند» من الدانمارك بحجة أنها ضرورية للأمن القومي الأمريكي وبوجود تهديد صيني وروسي بضمّها إذا لم يتحرك هو لضمّها.. ترامب لم يقل لحلفائه الأوروبيين أن ما تزخر به الجزيرة من ثروات ومن معادن نادرة ومن موقع استراتيجي هو ما يدفعه دفعا لوضع يده عليها وفي نفس الوقت تكريس سابقة مفادها أن أي دولة أوروبية تقع في دائرة اهتمامات ترامب وصلب حساباته للثروة وللنفوذ ستكون في مرمى صولاته وجولاته.
ويبقى بعد هذا سؤال كبير مفاده: هل تنجح سياسات وتوجهات ترامب العشوائية والمقوضة للقانون الدولي والمهددة للسلم والأمن الدوليين في انقاذ الامبراطورية الأمريكية من الانهيار وفي جعل ـ أمريكا قوية مجددا ـ كما بشّر بذلك؟ وللاجابة نقول أن سنّة صعود وسقوط الدول والامبراطوريات لها أحكامها ونوامسيها.. وما من طير مهما علا وارتفع إلا وكما طار وقع.. ولننظر إلى الحضارات التي سادت وبادت كيف عربدت وعبثت واعتدت ودمّرت لتنتهي إلى  مصيرها الحتمي: الانهيار.. فهل ان الامبراطورية الأمريكية تعيش تحت حكم ترامب وهرطقاته آخر سكرات موت الامبراطوريات وانهيارها؟ يبدو أننا في صميم هذه المرحلة التي ستأخذ وقتا قبل نهاية النظام الدولي حادي القطب وتبلور نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك