مع الشروق :  ملف النظافة والبيئة:  اخلالات .. غموض.. واستفهامات

مع الشروق :  ملف النظافة والبيئة:  اخلالات .. غموض.. واستفهامات

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/10

عندما يكون البلد  بمساحة لا تتجاوز 164 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانه في حدود 12 مليون نسمة،  فانه من المفروض ان يكون مثالا من حيث نظافة البيئة والمحيط وجمالية المدن والقرى والشوارع والشواطئ.. وعندما يكون البلد بهذه المساحة المثالية في موقع جغرافي استراتيجي وبتلك الطبيعة الخلابة والمناخ المعتدل والشريط الساحلي الممتد على 1300 كيلومتر، من المفروض ان تكون الدولة، بسلطاتها واجهزتها المركزية والجهوية والمحلية، وهي عديدة، قادرة على تحويله إلى «لوحة»  مترامية الجمال، أنيقة ونظيفة، يطيب فيها العيش وتستقطب ملايين السياح والاستثمارات الأجنبية ويكون نسق التنمية الاقتصادية والرقي الاجتماعي داخلها مرتفعا..
لكن على ارض الواقع يبدو الأمر مختلفا تماما : جمالية مفقودة،  أوساخ وفضلات وأتربة واوحال وحفر منتشرة في كل مكان، مناطق خضراء فقدت بريقها، مدن شاحبة وقرى وارياف طالتها أوساخ المدينة، روائح كريهة، شواطئ متسخة وفضاءات عمومية مهجورة ومواقع أثرية مشوهة وظلام دامس في المدن ليلا. وهي مشاهد أصبحت تؤثر لا فقط على الجانب الجمالي والبيئي  ولا على القطاع السياحي فحسب بل تشمل تاثيراتها مختلف مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية الداخلية وتؤثر سلبا على المزاج العام للناس وعلى الحركية التنموية والتجارية..
لماذا وصلت بلادنا إلى هذا الوضع؟ لماذا هذا العجز من مختلف أجهزة وهياكل الدولة المعنية رغم ارتفاع عددها عن تأمين ملف البيئة والنظافة وجمالية المحيط ؟  هل ان 350  بلدية ( تقريبا بمعدل بلدية لكل 468  كلم  مربع وبلدية لكل 34 الف ساكن ساكن) وبما تعج به من آلاف الاعوان والمسؤولين والمهندسين والتجهيزات والآليات والميزانيات عاجزة فعلا عن القيام بدورها في النظافة والعناية بالبيئة والجمالية لاسباب مادية؟ ام بسبب العراقيل الادارية والبيروقراطية ؟ أم أنه سوء التسيير وغياب التصرف الرشيد وضعف الحوكمة ؟ أم هو غياب الكفاءة والقدرة على تسيير الشان العام؟ ام بسبب ما يتردد أحيانا عن وجود  شبهات  فساد وضعف المراقبة وسيطرة بعض الحسابات السياسية والمصالح الضيقة على هذا المجال؟
ما سبق ذكره  ينطبق كذلك على الـ24 ولاية وعلى ال265 معتمدية وما يتبعها من عمادات  وعلى المجالس المحلية والجهوية التي باشرت مهامها في السنوات الاخيرة..  وينطبق أيضا على وزارة البيئة والهياكل والمؤسسات العديدة التابعة لها مركزيا وفي الجهات وكذلك على وزارة التجهيز والمؤسسات والادارات والهياكل التابعة لها مركزيا وجهويا. فجميع هذه الهياكل والاجهزة تعج بآلاف الاعوان والمسؤولين والمهندسين وتوضع على ذمتها سنويا ميزانيات كبرى واجور وامتيازات وتجهيزات وآليات باهظة الثمن لكنها تعجز في المقابل عن تامين النظافة والعناية بالبيئة والجمالية على رقعة لا تتجاوز مساحتها 164 الف كيلومتر مربع!
وقد كشفت عديد الزيارات الميدانية التي يؤديها رئيس الجمهورية بين الحين والآخر إلى بعض المناطق عن حجم الاخلالات الكبيرة والتقصير الملحوظ من قبل السلط الجهوية والمحلية ومصالح وزارة البيئة ووزارة التجهيز في العناية بملف النظافة والعناية بحالة البنية التحتية للطرقات والاحياء السكنية وتحسين معيشة الناس. و رغم أن النصوص القانونية المنظمة لقطاع النظافة والبيئة والمحيط عديدة والهياكل والاجهزة المعنية بالقطاع كثيرة والإمكانيات المرصودة لها متوفرة، الا أن الملف البيئي في تونس ظل – على مر السنين-  لغزا غامضا لا تُعرف أسباب تهميشه وإضعافه وظل «أرضية خصبة» لمختلف التجاوزات والاخلالات والشبهات مع الافلات من العقاب..
نقاط استفهام عديدة تحوم حول ملف النظافة والبيئة والعناية بالمحيط والبنية التحتية في بلادنا.. وفي المقابل يمثل هذا الملف في أغلب الدول جزء من الأمن القومي لا يجوز التلاعب أو المساس به. وهو ما يجب أن يقع الانتباه له في تونس والتسريع في اتخاذ الإجراءات المناسبة  عبر تحسين عنصر الكفاءة في القطاع و تطوير المنظومة التشريعية والهيكلية وتخليص ملف النظافة والعناية بالبيئة من البيروقراطية وتشديد الرقابة وردع التجاوزات والاخلالات وتحسين الميزانيات المخصصة.
فاضل الطياشي
 

تعليقات الفيسبوك